حديث الاسبوع – لماذا سقط الدولار؟ وما مستقبله؟

السبت 31 أيار 2003

انحدار سعر صرف الدولار عالمياً، وبخاصة حيال الاورو، له فوائده كما له سيئاته على الاقتصادين الاميركي والعالمي. فهل يستمر الانحدار والى اية حدود؟ ما هي انعكاساته على الاقتصاديات العربية؟ وهل تستطيع المصارف المركزية الدولية التحكم باسعار صرف العملات؟ وهل من المتوقع ان تقوم بذلك؟ وما هو السعر التوازني الذي يرضى به الجميع، اي يريح الاسواق النقدية العالمية ويحدث الاستقرار المنشود؟

في الواقع تدنى سعر صرف الدولار حيال الاورو من معدل 0.88 عام 1992 الى 0.93 عام 1999 فالى 1.06 عام 2002 والى 1.17 اليوم. كما تدنى سعر صرفه حيال الين من 131 عام 1998 الى 125 عام 2002 والى 119 اليوم، على الرغم من كل المصائب التي تمر بها الاقتصاديات الاوروبية واليابانية. اما الجنيه الاسترليني فانخفض سعر صرفه من 1.44 دولار في 2001 الى 1.64 اليوم. وحصل معظم السقوط في الاشهر القليلة الماضية.

من الواضح ان الادارة الاميركية الحالية تخلت عن سياسة الدولار القوي التي اعتمدتها ادارة الرئيس كلينتون، تشجيعاً للصادرات وبالتالي تحفيزاً للنمو الاقتصادي. وادت سياسة الدولار القوي الى تحقيق رفاهة اكبر للاميركيين، اي سمحت لهم باستيراد ما يشاؤون بكلفة اقل. كما شكلت في الوقت عينه سلاحاً قوياً في وجه التخضم الذي حاربه المصرف المركزي بنجاح منذ التسعينات. وهكذا انحدر مؤشر اسعار الاستهلاك من 10% في فترة 1980/ 1982 الى 3% في 1996 فالى 1.6% في .2002 ويعود تغيير السياسة حيال الدولار الى ضعف النمو الاقتصادي الاميركي حيث لم تنجح كل السياسات الداخلية في تحفيزه. فتخفضيات الفوائد المتتابعة منذ سنوات، بالاضافة الى حسومات ضريبية كبيرة وانفاق سخي على بعض القطاعات، كالدفاع، لم تنجح كلها في دفع عجلة النمو. فها هي الادارة الاميركية تستنجد اخيراً بالخارج لزيادة الطلب على منتجاتها السلعية والخدمية. فالطلب الاميركي الداخلي محكوم بالقدرات الشرائية المحدودة وبثقة المستهلكين والمستثمرين بالاقتصاد التي ضعفت كثيراً في الاشهر الماضية نتيجة عملية 11/9/2001 والفضائح الاخلاقية المقلقة في اعرق الشركات. فالحل بالنسبة الى الادارة الاميركية قضى اذا باللجوء الى خفض قيمة الدولار او بالاحرى تركه ينحدر في السوق مما يسبب زيادة الطلب الخارجي ويجنب وقوع الاقتصاد في الانكماش المخيف. الكرة هي اذا اليوم في الملعبين الاوروبي والياباني، فهل ننتظر التجاوب علماً ان هذين الاقتصادين يعانيان مشاكل داخلية مهمة؟

وتكمن المشكلة الرئيسية في زيادة العجز في الميزان التجاري الاميركي في السنين العشر الماضية. ففي ،1992 كان العجز في حدود 96 مليار دولار او 1.5% من الناتج المحلي الاجمالي. وارتفعت هذه النسبة الى 2.5% في 1996 فالى 4.5 في .2000 اما في 2002 فوصل العجز في الميزان التجاري الى 484 مليار دولار او 4.6% من الناتج، وهذا ما لا تستطيع اميركا تحمله لفترة طويلة. في الواقع تدنت قيمة الصادرات الاميركية من 772 مليار دولار في 2000 الى 683 مليار السنة الماضية. اما الواردات، فارتفعت كثيراً في الثمانينات والتسعينات لتصل الى حدود 1167 مليار دولار السنة الماضية، وهو ضعفا واردات .1993 احد المساوئ الرئيسية من استمرار ارتفاع الدولار هو هروب شركات الانتاج والبيع الاميركية الى الخارج، مما يفسر ضعف الانتاج والصادرات. وتستعمل اميركا اليوم 75% فقط من طاقتها الانتاجية، اي 10 نقاط اقل مما كانت الحال في فترة 1988/،1989 و6 نقاط اقل من معدل فترة 1972/.2002 اما العجز في ميزان الحساب الجاري فوصل الى حدود سبلية خطيرة، اذ تحول من فائض مقداره 4 مليارات دولار عام 1991 الى عجز مقداره 494 مليار دولار عام 2002 مما يعكس الاستدانة الزائدة من الاسواق العالمية لتمويل العجز في الموازنة.

السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف بقي الدولار صامدا في الاسواق النقدية على الرغم من الزيادات الكبيرة في عجزي الحسابين التجاري والجاري، الانخفاض الكبير في الفوائد؟ لقد انخفض معدل الفوائد على سندات الخزينة لعشر سنين من 12.79 في المئة في فترة 1980/1982 الى 8.3 في المئة في فترة 1986-1988 فالى 5.26 في المئة في 1998 فالى 4.61 في المئة في .2002 الجواب يكمن في قوة الاقتصاد الاميركي الذي كان يوحي الثقة والاطمئنان للمستثمرين، فوظفوا كثيرا في اسواقه ومن الطبيعي القول ان احداث 9/11/2001 والفضائح المالية والمحاسبية غيرت نفسية المستثمرين ودفعت السلطات العامة الى تعديل القوانين بحيث تشددت في الرقابة واصبحت العقوبات اكثر صرامة. ونتج من هذه الوقائع هروب تدريجي من الدولار ومن الاستثمار في الاصول المحررة به. فلم يكن في الامكان الا السماح للدولار بالهبوط في الاسواق النقدية الدولية ليلتقط الاقتصاد الاميركي انفاسه وربما يعود الى نموه القوي. ومن المفروض ان يسمح هبوط الدولار للميزان التجاري وللحساب الجاري بالعودة الى التوازن نتيجة انخفاض الواردات وزيادة الصادرات.

ويعود انحدار سعر صرف الدولار عالميا اذا الى الاوضاع الاميركية الداخلية، والى عدم قدرة الاقتصاد على تحمل نقد قوي اصطناعي لفترة اخرى من الزمن. وسيبقى سعر الدولار منخفضا حتي تستعيد اميركا توازناتها الاقتصادية والمالية، وهذا يتطلب بعض الوقت، اي ربما اشهرا وحتى سندات. ومما يدعو للقلق ايضا حصول الانخفاض في وقت تعاني فيه الاقتصادات الاوروبية واليابانية ازمات هيكلية وظرفية حادة. فمن اين يأتي الانقاذ؟ وكيف، ومتى؟

في الواقع على اميركا، كما تنصح كل دول العالم، ان تتكل على نفسها، اي على قدراتها التقنية والبشرية الهائلة. فالاقتصاد الاميركي هو محرك الاقتصاد العالمي، ولا بديل منه اليوم، وينتظر من اميركا ان تحرك الاقتصاد العالمي عبر سياسات جديدة تفعل الاقتصاد الحقيقي، اي انتاجية القطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية. فضياع الثقة. اي ثقة، سهل جدا، ولكن اعادة بنائها على كل المستويات تتطلب وقتا وشفافية وحسن اداء. حتى الآن، لم تعط الحرب العراقية اي مفعول اقتصادي ايجابي، بل ساهمت على العكس في زيادة قلق المستثمرين كما تدل عليه مؤشرات البورصات العالمية.

ما هي انعكاسات انحدار الدولار على الاقتصادات العربية؟

ستتأثر الاقتصادات العربية سلبا اذ ان مواردها نفطية، اي مرتبطة بالدولار، تقوي معه وتضعف. كما ان الدول العربية، كمجموعة، لا تصدر عمليا الا النفط ومشتقاته. فالاوضاع العربية تتضرر اذا من دولار ضعيف، مما يزيد من حدة المشاكل الاجتماعية، وفي طليعتها البطالة. من ناحية اخرى تستورد الدول العربية كثيرا من اوروبا القريبة، فتتأثر سلبا، بارتفاع تكلفة الواردات فينخفض مستوى الرفاهة.

هل تستطيع المصارف المركزية مبدئيا التحكم بسعر الصرف اذا ارادت واذا نسقت في ما بينها في الاتجاه نفسه. الا ان نجاحها سيكون موقتا لان العوامل الاقتصادية الاساسية في اميركا تفرض انخفاض الدولار في الاسواق. لذا من غير المتوقع ان تتدخل المصارف المركزية بجدية وحزم وكثافة لتغيير التوازنات الجديدة في الاسواق النقدية الدولية.

ما هو السعر التوازني الذي يرضى به الجميع، اي يريح الاسواق النقدية ويحدث الاستقرار المنشود؟

ان الاقتصادي الذي يجيب عن هذا السؤال يكون اكثر من مغامر، اذ سيكون حتما على خطأ. من المرجح ان يبقى الدولار على مستوياته هذه، ثم يعود الى الارتفاع بعد ان تتحقق التوازنات المطلوبة داخل الاقتصاد الاميركي. لذا من المنطق القول ان من له آفاق متوسطة وبعيدة المدى سيقوم بشراء الدولار منذ اليوم، فيحقق ارباحا كبيرة في المستقبل. المهم متابعة التطورات المؤثرة والتي يمكن ان تتغير في كل يوم بل كل ساعة.