( 1 ) ساعة أولى مع أيمن

دورُهُ كان تعليميا وتنويريا طيلة سنوات عشر. رافق بورصة انفو منذ نشأتها. لم يتردد في قول كلمة الحق ووضع الأصبع على موضع الألم. هدف دوما الى تنبيه أهل السوق الى المخاطر التي تعترض دخولهم اليه. شهد له الكثيرون من أهل العلم والإختصاص بصوابية الرأي وسلامة الموقف. هو الأستاذ أيمن بارود المستحق منا للشكر على كل ما قدم من مجهود. نحييه ونبدأ حوارا نرجو ان يضاف محتواه الى ما تضمنه سيل من المقالات الماضية باتت تشكل زخرا للمعرفة في مجال عملنا، وما هي سوى خلاصة لتجربة طويلة في مهنة يصرّ هو على تصنيفها في قمة مهن الذكاء والرقي…
 
س: بعد الترحيب، نسألك أستاذ أيمن عن انطباعك بعد سنوات عشر. هل أنت راضٍ عمّا حققت؟ هل أن أملك قد خاب؟ هل تحقق هدفك؟
 
ج: إسمح لي أن أبدأ بالتهنئة بعيد الفطر السعيد متمنيا أن يعيده الله علىالجميع بالصحة والسعادة والتوفيق. أنتقل لشكر القراء المتتبعين لي، وأعتذر عن انقطاعات طالت أحيانا وفرضتها ظروف طارئة. أشكر كل الذين يخصونني برسائل الإمتنان والإطراء . أتمنى للجميع التوفيق وبلوغ الأماني.
عن رضاي وانطباعي أقول إني دوما في كفة الراضين والشاكرين للمولى نعمته سواء قلّت او كثرت. لا أخفي حقيقة اني أمِلت يوم انطلقنا ان نكون اليوم في موضع أفضل من الذي نحن فيه. تحققت إيجابيات، ولكن سوء تصرف البعض وجشعهم حال دون بلوغ الأماني على أتم وجه.
 
س: البعض. من هو هذا البعض؟ عوّدتنا الصراحة..
ج: ألامر واضح. البعض ينتمي الى فئات متعددة. كل أصحاب المصالح بالربح كيفما كان. كل طالب ربح بدون ضوابط.. أكاد أقول ضوابط أخلاقية.. لا يكفي أن نُغري الناس بالدخول الى عالم فسيح جديد.. يجب الأخذ بيدهم بدقة أكثر.. بالمزيد من الإخلاص والتجرد ربما..
البعض ينتمي الى فئة مقدمي الخدمة للتداول في السوق. البعض ينتمي إيضا الى فئة المتداولين في السوق.
 
س: هل بين مقدمي الخدمة من تعمّد خداع الناس؟
ج: مقدمو الخدمة عملوا ما هو في مصلحتهم. نبهوا الى المخاطر بقدر ما يفرض عليهم القانون. ألأخلاق كانت تفرض عليهم أكثر. يعود لهم أن يقدموا القانون على الأخلاق او الأخلاق على القانون.
أنا رأيت دوما الأمر من زاوية مختلفة. في مقالات عديدة نبهت تلميحا حينا وتصريحا أحيانا الى وجوب احترام أخلاقيات المهنة، ولا زلت.
في فترة ما أصِبنا بحمى الفوركس. تشوّفت هذا الوضع قبل حدوثه وكتبت مقالا عنونته ” حصبة الفوركس ” . نبّهت من قدومها. أتت وأصيب السوق بها، وسقط أناس ضحيتها. سعيد الحظ من عمل بالنصيحة وتروى وتمهل. وأخذ وقته في الطريق الى الثروة. وحاول ان يجعل من العمل في السوق مهنة له. المهنة تبنى مع الوقت وتحتاج الى جهد وصبر. العجلة من الشيطان دوما.
أهنئ الذين سلكوا الطريق الصحيح، وبات العمل في السوق مهنتهم. يتاجرون ويربحون. يعرفون قانون السوق ويحترمونه. بكلمتين: أهنئ الذين يتاجرون في السوق. لا شأن لي بالمضاربين. هم أحرار في ما يعملون.
 
س: فهمت من كلامك ان هناك فئة نجحت. بتعبير واضح: هل ان الربح ممكن في هذا السوق؟ هل ان الرابحين موجودون فعلا؟ هذا سؤال يطرحه كثيرون علينا..
ج: لا أستغرب سؤالك. أعرف أن هناك موجة من التشكك عارمة تحدّ من العزم في محاولة للايهام بان الربح مستحيل. هذا غير صحيح.
الربح ممكن. الرابحون موجودون. هم القلّة وليسوا الكثرة. أعرف منهم الكثيرين. أفتخر بأنهم التزموا بآداب السوق التي جهدت أنا شخصيا في إبرازها في مقالات عديدة. هؤلاء باتوا من النخبة. النخبة هي دوما القلة.
الرابحون موجودون. الربح ممكن طبعا.. ولكن.. انتبه.. بشروط.. الشروط قاسية.. محظوظ من يستطيع الالتزام بها.. أبارك له وأفرح..
 
س: حسنا، لنكن أكثر دقة ووضوحا. من هو التاجر الناجح؟
ج: بالطبع هو من يحقق ربحا. النجاح هنا هو تحقيق الربح. زيادة رأس المال.
 
س: بدقة اكثر من فضلك – أنا أعرف أنك لن تبخل بالمزيد من التفصيل – . زيادة رأس المال كلمة مبهمة، غامضة، تحتاج الى تحديد.. إن أمكن..
ج: فهمت قصدك. لا بأس.
أعرف – كما تعرف أنت، ويعرف القراء الكرام – أن تحقيق الربح كلمة عامة وتحمل الكثير من التفاسير. أقصد من حيث طريقة تحقيق الربح، أو الإستراتيجية المتبعة، ومقدار هذا الربح، أو نسبته اليومية او الشهرية أو السنوية.
بمفهومي أنا، التاجر هو من يتاجر ولا يضارب. التاجر الناجح من يحقق ربحا ولا يحقق خسارة. بصرف النظر عن مقدار هذا الربح.
بالنسبة لي، كل من امتهن التجارة في هذا السوق وحقق ربحا لم يستطع جعله يتعدى ال 10% في السنة – إنتبه جيدا.. أكرر.. في السنة – فهو تاجر ناجح. أنا أعترف له بالنجاح وأدعوه الى تحسين طريقة عمله، الى تليينها، أدعوه لتقوية معنوياته، وتخليه عن بعض العادات السلبية التي تكون قد لازمته، بمحاربتها والتصدي لها، وهو سيكون قادرا على رفع مستوى ربحه شيئا فشيئا مع الوقت.
هذا التاجر إن بلغ ربحه حدود ال 20% في السنة فأنا أحييه، وأعترف له بتحقيق النجاح.
من يحقق ال 20% سيكون قادرا على تحقيق ال 30% في سنة أخرى وربما ال 40% وهنا يمكن أن ينضم تاجرك هذا الى نادي الناجحين الناجحين..
 
س: أستاذ أيمن. أنت تتحدث عن 20% ربحا في السنة؟
ج: أيضا لنكن واضحين. أنا لا أحب الحديث عن ربح يومي، أو أسبوعي، أو حتى شهري. أنا تهمني النتيجة السنوية. أقيّم النجاح والفشل على هذا الأساس.
 
 
س: حسنا، ولكن.. أعذرني على الإعتراض مرة جديدة.. إن قلنا للناس – أقصد للداخلين الى السوق – تنجح إن حققت 20 او 40 % في السنة تراهم يستخفون بعقولنا..
ج: وماذا يريدون؟
 
س: يريدون زيادة صفر على ال 40. هل هذا ممكن؟
ج: بالطبع ممكن.. ولكن ليس للتجار.. ممكن للمضاربين..
التاجر لا يربح 400% لانه لا يريد ذلك. هو أيضا لا يخسر 100% لانه يتحاشى ذلك.
المضارب قد يربح 400% أو أكثر.. هو أيضا يكون مستعدا، أو مُعَرّضا – دون أن يدري – لخسارة 100%. أنا لا أعتبر هذه الفئة من العاملين في السوق أهل السوق الحقيقيين. ليسوا هم الذين يستوطنون السوق. هؤلاء إن طالت إقامتهم في السوق فليس برأسمالهم الأصلي، ولكن برأسمال مستحدَث دوما.. هم يخسرون كل شيء.. يبدأون من جديد بمبلغ جديد.. لا أريد أن أعمم ولكن أستطيع أن أجزم بأن الأكثرية الساحقة من هذه الفئة تتصرف على هذا النحو.
 
 
س: أهذا هو المُضارب ؟
ج: هذا هو المُضارب المعتمد طريقة الرهان على كل شيء لربح الكثير.. قد يربح 400%. كل شيء ممكن في هذا السوق. ولكن ذلك يكون تحت شرط القبول بخسارة تبلغ ال 100%. هؤلاء المغامرون لهم ذهنيتهم الخاصة، ومفهومهم الخاص للعمل. أنا لا أهتم لوجودهم. بالنسبة لي هم طارئون على السوق ويستحيل أن يكونوا قادرين على الإستيطان فيه.
بالمناسبة أدعو القراء الكرام الى معاودة الإطلاع على مقالة قديمة بهذا المعنى كان عنوانها: “برابرة يعبرون السوق، ابطال نستوطن فيه”.
.
س: ولكن ما معنى ان يتاجر الانسان بمبلغ 5000 دولار مثلا، ويكتفي بربح 30%؟
ج: بالطبع هذا أمر آخر ويحملنا الى موضوع جديد. في هذا الباب أكاد أوافق ” اندريه كوستلاني ” طبعا في قوله: “من يملك الكثير من المال ليس عليه ان يضارب في البورصة، من لا يملك إلا القليل منه عليه ان يضارب”.
بالقليل من المال لا يمكن ان يكون الانسان تاجرا كبيرا. عليه ان يقبل بأن يكون تاجرا صغيرا، أو ينصرف الى عمل آخر. أو يضارب بالمبلغ القليل فيتمكن من ربح أضعاف أضعافه بعمليات خطرة جدا، أو ان يجد نفسه قد خسره فجأة وبسرعة قد لا يكون تصورها… هو يستطيع ان يختار ما يناسبه، ولكن يجب ان يكون على بيّنة من أمره مسبقا، ومتقبلا للخسارة، حتى إن هي وقعت، لا يجد نفسه أمام صدمة كبيرة..
في هذا المجال أذكر تاجرا من المملكة السعودية – اتحاشى ذكر اسمه مع اني أعرفه جيدا وهو صاحب أخلاق وإيمان وثقافة –  دخل الى السوق بمبلغ محترم. كنت على اتصال به، يوميا تقريبا. كان يُجري عمليات لا يُقرها المنطق من حيث ضخامة عدد العقود واحيانا مواضع الدخول في السوق. عمدت أكثر من مرة الى الإعتراض على طريقة عمله وتدخلت ناصحا، ولكنه كان يصر على مخاطراته معرضا نفسه للخسارة الكبيرة. في اليوم الاول ربح الكثير وكاد ان يضاعف رأس ماله. هنا كان عليه ان يتوقف عن المضاربة ويتحول الى المتاجرة. لم يفعل. لم تنقضِ أيام قليلة إلا وقد خسر الربح وفوقه رأس المال كاملا. على ما أذكر كان المبلغ يقارب المليون دولار أو يزيد عنه.
سألته مرة محاولا أن أثنيه عمّا يفعل. قلت: كم تحقق في تجارتك التي تمارسها في مؤسستك التجارية بصرف النظر عن تجارتك هنا في السوق؟ قال: أحقق 20 % تقريبا في السنة. قلت: وما المانع من الاكتفاء بال 20% ربحا هنا في السوق ايضا بعمليات مدروسة وعقلانية، يكون الهدف منها أولا الحفاظ على المال، وثم الحصول على ما يتيسر بعون الله من ربح؟ قال : أنا بفطرتي ميال الى المغامرات وأحب ركوب المخاطر. دعوت له بالتوفيق مع قناعتي بأنه يركب المخاطر ولن يبلغ ما كان يصبو اليه…
ألآن لا أملك الا ان أدعو له – ولغيره ممن عملوا بهَوَس –  بتعويض الخسارة ولو من باب تجارة أخرى.
أذكر هذه الحادثة حتى يعتبر منها مَن يسعى الى الرفعة عن طريق رمي نفسه في النار…
 
س: الى أي فئة ينتمي هؤلاء الرابحون الذين تحدثت عنهم؟
ج: أعرف من يعمل بحساب يبلغ ال 50 الف دولار، ويستطيع تأمين معيشة كريمة من تجارته هذه- طبعا متناسبة مع قناعته -. أعرف أيضا من يتاجر بحساب قوامه مليون دولار ويشكر ربه إن ربح 10% في السنة، ويشكره ويفرح ان استطاع تحقيق بين 20 و 30%. أعرف من يدير 10 ملايين دولار ومن يدير 50 مليونا وكل واحد يربح ما قدّره الله. المهم هؤلاء يربحون ويرتضون النسبة التي يحققونها. لا أحد منهم يتعلق بأوهام ال 200 وال 400% في السنة. أعتقد هذا هو الشرط الأساسي الذي يجعلهم في صف الرابحين. 

 
س: وان بسّطنا الأمور وتحدثنا عن الربح بالنقاط؟
ج: لا بأس، وعلى سبيل المثال. التاجر الذي  يعمل ب 50 الف دولار ويؤمن معيشته من تجارته، لا زلت أذكر بداياته منذ عشر سنوات. كان يقول لي هدفي تحقيق عشر نقاط في اليوم. إنها كافية بالنسبة لي. لم ينجح في بادئ الامر ولكنه ثابر. عندما استقر ربحه حول ال  150/200  نقطة في الشهر ارتاح واطمأن ( أقصد في أكثر الأشهر)، واقتنعت من جهتي بانه بلغ مُراده. أحيانا يحقق المزيد ولكنها ليست القاعدة. القاعدة بالنسبة له تحقيق ال 200 نقطة، أو ما يدانيها، وهو يبلغ هذا الهدف اليوم بسهولة في معظم شهور عمله. القليل من العمليات. الربح المعتدل. الحد من الخسارة. والرزق طبعا على الله سبحانه وتعالى.
ولنُجرِ عملية حسابية بسيطة. 200 نقطة في الشهر بعقد واحد فقط وبحساب 50 الف دولار. هذا يعني 2400 نقطة في السنة. وانت تعرف جيدا ان هذا يساوي 24 الف دولار ربح انتجتها ال 50 الف دولار كرأس مال، يعني ما يقارب ال 50%. من كان هدفه تحقيق 20% وتمكن من بلوغ ال 40/50% فهو في قمة النجاح…
يجب ان يقتنع كل عامل في هذا السوق انه من غير الممكن له إن كان عطشانا أن يشرب كلّ ما في النبع من ماء. عليه أن يأخذ حاجته فقط. أرجو التبصر جيدا في هذا الكلام.. ويصير عندئذ الربح ممكنا وميسورا…
 
س: حسنا مرة جديدة، المزيد من الوضوح من فضلك. نظام المارجن يسمح للتاجر أن يحرك أكثر من خمسة ملايين دولار في السوق بحساب خاص لا يتجاوز ما أودعه فيه المئة الف دولار. هل تُقرّ هذا الأمر؟ أو بتعبير أفضل، هل تشجع على هذا الأمر.
ج: بهذا نكون قد عدنا الى حيث انتهينا. هذه أخطر أنواع المضاربات. هذا ما جعل الكثيرين من الذين دخلوا على السوق يتكبدون الكثير من الخسارة.
إن سمح لي القانون أن أحرك مثل هذا المبلغ الضخم فيجب أن أستشير عقلي قبل القانون. هل يسمح لي عقلي بذلك؟
أنا شخصيا أتداول بنظام الهامش، ولكن – بالمعنى النسبي للكلمة – لا أحرك أكثر من ثلاثمئة ألف دولار ان كان الحساب يبلغ ال مئة الف دولار، وإن شئت تحريك خمسة ملايين دولار أودع في الحساب مليوني دولار تقريبا. وان شئت تحريك عشرة ملايين أؤمن نفسي باربعة ملايين على الأقل.
وأعود الى العملية الحسابية البسيطة. ان ربحت 30%  – على سبيل المثال، وقد أحقق اكثر من هذا ان ساعدت الظروف –  في عملي السنوي وكان رأس مالي مليوني دولار فربحي 600 ألف. وان كان رصيدي مئة الف دولار فربحي 30 الفا. يجب أن أكون قنوعا وواقعيا ومُقِرا بان قطاف النجوم موجود فقط في قصائد الشعر.
 
س: ولكن أستاذ أيمن، مهلاً أرجوك، الحساب على الورقة سهل. تحويل النقاط الى دولارات.. الربح .. الربح.. الربح…أود الدخول في التفاصيل المُملة. هناك الخسارة أيضا. هناك من اقتنع بشرب جزء يسير من مياه النبع ولكنه لم ينجح… أريد طرح كل الهموم.. هل يكفي ان نقتنع لنربح؟  هل نجاح البعض يعني امكانية نجاح الجميع؟ ثم من هم هؤلاء الناجحون؟ الكل على المنديات يقولون: خسرت .. خسرت..ببساطة كيف يتحول الإنسان من خاسر لرابح؟ هل من جواب شافٍ؟
ثم قصة الستوب او ما يسمونه الوقف. هو عدوّ المتداول أم صديقه؟ هذا لك منه موقف حاد.. هل من تفصيل له أيضا؟
 
والجواب  الشافي، والتفصيل المُمل يكونان في الجزء التالي من الحديث ان شاء الله أن يكون.
bild11u