خيارات الفدرالي والمركزي الأوروبي

مع التحسّن النسبي في سوق العمل، شهدنا تراجعاً ولَو متواضعاً في شراء الأصول. وفي آخر تقييم قام به الفيدرالي الأميركي انّ الإقتصاد الأميركي ما زال في حال تحسّن من الركود الذي ضربه في العامين ٢٠٠٨ و ٢٠٠٩ حيث انّ الناتج المحلي الإجمالي قد زاد بمعدل سنوي يبلغ متوسطه حوالى٣,٢٥٪ خلال النصف الثاني من العام الماضي علماً انه وإن تباطأ بعض الشيء خلال هذه السنة فإنّ العوامل والمؤشرات تشير بالمطلق الى حدوث انتعاش في الإنفاق والإنتاج ما يضع الإقتصاد الكلّي على مسار النمو في الربع الحالي.

هذه التدابير وان كانت غير عادية قد أصبحت بعد سنين من بدئها عادية وطبيعية وأعطت نتائج جنّبت من خلالها الإقتصاد الأميركي عواقب كثيرة إن كان من ناحية الإنتعاش والنمو او من ناحية سوق العمل والإسكان.

والسؤال الذي يتداوله الإقتصاديون أين تنتهي هذه المرحلة وتبدأ مرحلة نعود فيها الى تدابير تحفيزية طبيعية وعادية يمكن معها تحريك اسعار الفوائد بشكل يساعد الإقتصاد في نموه وسوق العمل في استعادة حيويته؟ كذلك ما هو الخطأ لغاية الآن الذي فعله الأوروبيون ليبقوا ولغايته مع ركود كارثي وبطالة خيالية وتطلعات مستقبلية مراهَن عليها؟

هذا هو الواقع، ولإعطاء الحق لأصحابه وجب القول انّ سياسة التدابير التحفيزية غير العادية ساعدت ولا بد الإقتصاد الأميركي في الخروج ولَو مرحليّاً من حال الركود الذي يعتبر الأسوأ منذ الكساد العظيم الذي حلّ بالعالم في عام ١٩١٩ والعودة الى شيء من الوضع الطبيعي من حيث تقلّبات السوق والإقتصاد.

وقد تكون هذه السياسة التي بدأت مع برنانكي واستمرت مع جانيت يلين قد ساعدت هذه الأخيرة في المدافعة عنها امام اللجنة الإقتصادية المشتركة، مشيرة الى العديد من المؤشرات التي تبرز انتعاش الإنفاق والإنتاج. هذا مع العلم انها حذّرت من الركود الذي ما زال مسيطراً على قطاع الإسكان والعقارات، إذ انّ نشاطه ومنذ العام ٢٠١١ ما زال مخيباً للآمال. مع العلم انّ هذا القطاع يعتبر حجر زاوية في نمو الإقتصاد والمحرك الأساسي له.

واذا ما قارنّا هذا الوضع الحاصل في أميركا مع أوروبا، وعلى وجه التحديد دول منطقة اليورو، نرى انّ الإنكماش الإقتصادي الأميركي استمر من عام ٢٠٠٧ الى عام ٢٠٠٩ مع نسبة بطالة كبيرة نسبياً (٢٠,٣ مليون عاطل عن العمل)، ونرى انّ الوضع الأوروبي يختلف اذ انه استمر لفترة أطول حتى بلغ العام الحالي ومع مؤشرات اقتصادية توقعت امكانية استمراره في السنوات المقبلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف نفسّر هذه الاختلافات والمنطق الإقتصادي واحد والدول التي نتحدث عنها على نسَب متقاربة من التقدم والنمو؟ لكن وعلى ما يبدو انّ صنّاع القرار في الولايات المتحدة الأميركية ردوا على هذا الركود بسياسات مختلفة طالت السياسة النقدية وسوق العمل ولاحقت أهمية الرهن العقاري السكني بمعدلات فوائد مدروسة جعلت منه ينتعش ولَو نسبيّاً.

ولكن كيف تفسّر هذه الاختلافات؟ أوروبا، وبعد سنوات من الأزمة المالية لم تتعاط بنفس النمط التي تعاطت معه أميركا. هنالك العديد من الفروقات بعضها بسيط والبعض الآخر بغاية الأهمية، وقد تكون الأكثر أهمية مسألة «المساءلة» وعدم تطبيقها في المؤسسات التي تصنع القرار في أوروبا. ففي أوروبا هنالك الترويكا (صندوق النقد الدولي، البنك المركزي الأوروبي واللجنة الأوروبية)، وهؤلاء غير مسؤولين أمام سكان منطقة اليورو، وخصوصاً امام الدول التي وقعت ضحية عدم المساءلة هذه، مثل اسبانيا واليونان والبرتغال وإيرلندا وإيطاليا.

وهذه الترويكا تحاول اتباع أجندة عمل خاصة بها، وقد لا يصوّت عليها سكان هذه الدوَل، مثل خفض الإنفاق والرعاية الصحية وزيادة الضرائب، وهي مؤلمة وقد تشكّل مؤامرة بحقّ هذه الدول، لا سيما اذا ما أخذنا بعين الإعتبار ما ورد في تقرير صندوق النقد الدولي في العام ٢٠٠٩ «تشير التجارب التاريخية الى انّ نجاح التعزيزات المالية غالباً ما تتمّ وسط الإنكماش الإقتصادي او في المراحل الأولى من الإنتعاش «نرى ان الأوروبيين استفادوا من هذه الأزمة كفرصة في محاولة لإدخال إصلاحات نتيجة مشاكل تعرّضت لها مجموعة من البلدان التي تعتبر أقل جدارة إئتمانية من ألمانيا، والتي التحقت باليورو، وشهدوا تخفيضات هائلة في كلفتهم الإقتراضية ما أدى الى ميزانية غير مسؤولة في إيطاليا وكثير من الإقتراض في القطاع الخاص في اسبانيا وإيرلندا ومزيج من هذين الأمرين في اليونان، ما دفع هذه البلدان الى حالة ركود بعد الأزمة المالية.

أضف الى ذلك عدم استعداد الحكومة الألمانية الى ضمان ديون أوروبا الجنوبية، وهذا ما أدّى الى مزيج من ارتفاع العجز وانخفاض ثقة المستثمرين ترافقَ مع ارتفاع أسعار الفوائد على مديونية هذه الحكومات.

وللعلم، فإنّ ارتفاع معدلات الفوائد يجعل العجز أسوأ، ونتيجة لذلك استطاعت الترويكا إنقاذ المصارف المملوكة للدولة في منطقة اليورو وكذلك المؤسسات المالية حول العالم، والتي تتّبع النظام المصرفي الأوروبي، وحصل السياسيون على ما يريدون من إبقاء هذه الدول ضمن منطقة اليورو وألقوا اللوم على دراغي وميركل في سياستهما التقشفية هذه.

ومقارنة بأميركا قد تكون مشكلة منطقة اليورو ليست مجرّد العملة الواحدة بل عوامل متفرقة، لا سيما اللغة ودولة الرفاه (إعادة توزيع الدخل)، أضف الى ذلك المشاكل التي تتعرض لها بعض الدول كفرنسا وهولندا حيث ارتفعت نسبة البطالة فيها بشكل قوي.

وهكذا نرى انّ سياسة أميركا العدوانية تجاه الأزمة المالية العالمية، والتي برزت في مراحل متعددة من خلال Q2,Q1 وQ3 ساعدت على ما يبدو في تخفيف مشاكل أميركا وتراجع البطالة، بينما نرى ان أوروبا متخلفة نسبياً إن كان من ناحية الإنتعاش ام من ناحية نسَب البطالة.

لذلك قد يكون ما قالته يلين في ٨ أيار ٢٠١٤ امام اللجنة الإقتصادية جاء تعبيراً عن آراء الفيديرالي الأميركي ومواقفه وتدابيره، إن كان من الناحية الإقتصادية أم من الناحية الإنسانية، اذ انّ مطالعتها شملت جوانب الأزمة التي كانت شديدة الوقع على الناس وشددت على القول «انّ الهدف مساعدة الشارع الرئيسي وليس وول ستريت».

وأخيراً، يبقى القول انّ سياسة الفيدرالي الأميركي وتقديمه السيولة منذ العام ٢٠٠٨ مَكّن المصارف وغيرها من المؤسسات من مواصلة توفير الإئتمان للأفراد والشركات، وساعدت في تعزيز الإنفاق وإنعاش سوق الأسكان ولو نسبيّاً. وهذا ما لم يفعله الأوروبيون، اذ انهم سَعوا لمساعدة المصارف والسياسيين وتركوا الشارع ببطالته وهمومه وسياسات تقشفية قاسية.

بروفسور غريتا صعب.