هل يعود اقتصاد اليابان للنمو؟

بعد عقدين من النمو الضعيف، تضع اليابان جهودا حقيقية لتعزيز اقتصادها المتراجع وتنفيذ الإصلاحات التي تحتاجها بشدة. وتأتي الخطة التي أطلقها رئيس الوزراء الحالي، شينزو آبي لتحفيز الاقتصاد، والمعروفة أيضا باسم «أبينومكس»، بجوانب متعددة. فالهدفان الرئيسان من هذه الخطة هما تنشيط التضخم وتعافي النشاط الاقتصادي، وذلك بدعم من الصادرات القوية ودمج الأموال الحكومية.

وكانت اليابان تشهد انكماشا خلال أغلب الوقت من العقدين الماضيين. وساهم كل من انعدام نمو الأجور، قوة العملة وضعف سوق العقارات في انخفاض عام في الأسعار. وتسعى السياسة النقدية التوسعية، بمساعدة من المحافظ الجديد لبنك اليابان المركزي، هاروهيكو كورودا، إلى عكس هذا التوجه.

فبعد أن تعهد بمضاعفة القاعدة النقدية بحلول نهاية عام 2014 وخفض التضخم إلى 2 في المائة على الأقل خلال عامين، تمكن بنك اليابان المركزي من تسريع نمو التضخم ليصل لأسرع وتيرة له منذ أكثر من خمس سنوات، حيث زاد بنسبة 1.6 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار). وبعد 12 شهرا من الانكماش بين عامي 2012 و2013، يتوجه الارتفاع التدريجي في التضخم اليوم للوصول إلى الهدف البالغ 2 في المائة وارتفع التضخم في طوكيو، الذي يصدر قبل شهر من صدور معدل التضخم على الصعيد الوطني، إلى أعلى مستوياته في 22 عاما ليصل إلى 2.7 في المائة على أساس سنوي في أبريل (نيسان)، من 1.3 في المائة على أساس سنوي في مارس.

ولأن كلا المعدلين يميل في نفس الاتجاه، فمن المتوقع أن يزيد معدل النمو الوطني أيضا في شهر أبريل، مع إمكانية قوية للوصول إلى الهدف في وقت قريب. لكن، جزء كبير من الزيادة في معدل التضخم يأتي من قطاع الطاقة، حيث ارتفع معدل التضخم باستثناء أسعار الطاقة بنسبة 0.7 في المائة على أساس سنوي في مارس. وكان السبب الأساسي وراء التضخم هو انخفاض سعر صرف الين الياباني إلى جانب الحاجة المتزايدة لاستيراد الطاقة في أعقاب كارثة فوكوشيما النووية.

وعلى الرغم من أن التضخم في اليابان ليس مدفوعا على وجه التحديد من ارتفاع في الطلب، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة سيترجم في النهاية إلى ارتفاع معدل التضخم للمنتجات غير المتعلقة بالطاقة بحيث أن الشركات تمرّر النفقات المتزايدة على الأسعار التي يدفعها المستهلكون. ومن أجل أن تحافظ اليابان على التضخم، فلا بد أن تتضخم الأجور أيضا بشكل يواكب الأسعار الاستهلاكية المتزايدة في الاقتصاد.

وبالفعل، أطلقت حكومة رئيس الوزراء آبي محفزات مالية تعادل قيمتها تريليونات من العملة المحلية الين، وركزت بشكل أساسي على البنية التحتية، على أمل زيادة أرباح الشركات، وبالتالي، زيادة الرواتب. وتعمل كل من الحكومة والنقابات العمالية على زيادة الضغط على قطاع الشركات لرفع الأجور. كما يجري مناقشة إمكانية فرض تخفيضات ضريبية لتخفيف التكاليف بالنسبة للشركات. وحتى الآن، الأثر الإجمالي في الاقتصاد ليس كبيرا.

وقد نما الناتج الاقتصادي بمعدل 0.7 في المائة فقط على أساس سنوي في الربع الأخير من العام الماضي، وبلغ العجز في الحساب الجاري رقما قياسيا جديدا في يناير (كانون الثاني). لكن المؤشرات المستقبلية ترسم صورة أكثر إشراقا: فقد استمر نمو الائتمان بالنسبة للشركات بالارتفاع بوتيرة قوية، وأظهر مؤشر ثقة «رويترز تانكان» في شهر أبريل تفاؤلا بين الشركات الصناعية مع ارتفاع الصناعة إلى أعلى مستوى في أكثر من ست سنوات. بالإضافة إلى ارتفاع مبيعات التجزئة في أسرع وتيرة لها في 17 عاما، حيث ارتفعت من 3.6 في المائة على أساس سنوي في فبراير (شباط) إلى 11.0 في المائة على أساس سنوي في مارس على الرغم من أن هذا يعود بشكل أساسي إلى استفادة المستهلكين من الشهر الأخير قبل أن يجري رفع ضريبة المبيعات في أبريل.

وقد لا يكون هدف «أبينومكس» بتقوية القطاع المالي الوطني مهما على المدى القصير لكنه مهم على المدى الطويل. فالدين الياباني هو الأكبر في العالم، حيث يفوق حاليا 200 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا هو السبب الأساسي وراء ارتفاع ضريبة المبيعات من 5 في المائة إلى 8 في المائة في أبريل. وعلى الرغم من أن الإصلاحات مهمة فعلا، فإن بعض المحللين يرون أنها قد تبطئ من تعافي البلاد. لكن كل من الحكومة والبنك المركزي الياباني قد أثبتا مبادرتهما واستعدادهما إلى تيسير قيودهما على الاقتصاد من خلال توسع اقتصادي أسرع للقاعدة النقدية، ومحفزات مالية إضافية، وضرائب أقل على الشركات أو إصلاحات في أسواق العمل.

تمر اليابان اليوم بمفترق طرق. وعلى الرغم من التركيبة السكانية التي لا تدعم النظرة طويلة المدى للاقتصاد، يمكن أن تلعب حزمة قانونية جديدة من السياسات والتشريعات دورا في تجديد الاقتصاد. وفي الوقت الحالي، من أولويات البلاد إيجاد تضخم للأجور وطلب كبير من المستهلكين. وفي مثل هذا السيناريو، فمن المرجح أن يكون للزيادة في الطلب تأثير كبير على المصادر الأساسية للواردات اليابانية، خصوصا الصين وبقية دول آسيا، التي تمثل معا 51 في المائة من إجمالي واردات اليابان، وأيضا الشرق الأوسط الذي يمثل 19 في المائة من المشتريات اليابانية، معظمها من الطاقة من دول مجلس التعاون الخليجي. وإذا عملت المحفزات اليابانية بشكل صحيح، سيستفيد مجلس التعاون الخليجي أيضا من الطلب الياباني القوي، مما يعزز اعتماد آسيا على دول المنطقة.