سيطرة الدولار

على مستوى معين من التعميم يمكن تقسيم عملات الدول إلى قسمين رئيسين، عملات «صعبة» وعملات «رخوة».

والعملات «الصعبة» بدورها يمكن تقسيمها إلى نوعين من العملات الصعبة، أولها العملات التي يحدد قيمتها ما يباع منها وما يشترى، والمتوقع بيعه والمتوقع شراؤه في المستقبل في أسواق المال الحرة، من دون تدخل السلطات التي أصدرتها بمنع بيعها أو بمنع شرائها، أي ما يسمى بـ «العملات المعومة»، ومنها اليورو والإسترليني والين الياباني والدولار وغيرها.

وثاني نوع من العملات الصعبة هي العملات التي تحدد السلطات التي أصدرتها ثمناً لها نسبة إلى عملة أخرى صعبة، يحدد قيمتها ما يتم تداوله منها في أسواق المال الدولية الحرة.

وعليه، فجميع عملات دول مجلس التعاون الخليجي الست هي عملات صعبة من النوع الثاني، لأن جميعها مرتبطة بعملات صعبة أخرى كالدولار بالنسبة إلى خمس منها، أو بسلة من عملات أخرى كلها صعبة بالنسبة إلى دولة الكويت.

أما العملات الرخوة، فهي التي تحدد قيمتها الدول التي أصدرتها عشوائياً، وفي أكثر الأحيان إذا استثنينا الصين بأقل من قيمتها في الأسواق الحرة، والأمثلة أكثر مما تحصى للعملات الرخوة، ومنها العملة السورية والعملة الإيرانية.

ولا جدال في أن العملة الصينية شبه صعبة، بمعنى أن من يقتنيها لا يخشى من ذوبان قيمتها، لا في الحاضر ولا في المستقبل القريب والمنظور.

وسبب إصرار الحكومة الصينية على خفض قيمة عملتها نسبة إلى بقية العملات الصعبة عامدة و «بسابق إصرار»، هو لإعطاء الصادرات الصينية ميزة نسبية بخفض أسعار صادراتها نسبة إلى عملات الدول التي تستوردها.

والسؤال يبقى: لماذا تربط دول ذات سيادة عملاتها بعملات دول أخرى؟

والجواب بإيجاز شديد: لتطمين جميع المستثمرين من أجانب ووطنيين إلى استقرار قيمة العملة، ولربط قيمة العملات بالدولار الأميركي على وجه الخصوص ميزة كبيرة لأسباب عدة، أهمها أن الدولار الأميركي هو العملة الأكثر أهمية في التجارة الدولية، فنحو 80 في المئة من التجارة الدولية يتم تسعيرها بالدولار الأميركي، وبالنسبة إلى الدول المصدرة للنفط ومشتقاته، فمن الواضح أنه من الأفضل لها ربط عملاتها بالعملة التي يتكون جل عائداتها منها.

إن ربط العملة بالدولار ميزة، تتمنى دول من الوزن الثقيل في التجارة الدولية، كالصين والهند والبرازيل تحقيقها لو استطاعت.

ولو استطاعت دول أوروبية صغيرة ربط عملاتها بالدولار لما تشبثت ببقائها في الاتحاد الأوروبي النقدي، حتى حينما تكون بحاجة ماسة إلى زيادة كتلة النقد لزيادة النشاط الاقتصادي وتفادي الركود، وهذه عبارة تحتاج إلى تفسير، فقبرص واليونان والبرتغال وربما غيرها من دول الاتحاد النقدي الأوروبي الأضعف، تحتاج دوماً إلى القروض لتمويل جل نشاطها الاقتصادي، ولو أنها لم تستخدم اليورو بدلاً من عملاتها الوطنية المحلية، لما استطاعت الحصول على قروض من مصارف أجنبية.

والسبب أن المقرضين يخشون أن تلجأ الدول التي تستخدم عملتها المحلية من دون ارتباطها بعملات صعبة، إلى طباعة كميات ضخمة منها فتفقد نسبة من قيمتها، وتحدد هذه النسبة زيادة المعروض منها، والنتيجة انخفاض قيمة القروض الممنوحة لها.

أما إذا بقيت في عضوية دول الاتحاد النقدي الأوروبي، فإن المنشآت المالية الأجنبية الكبرى على استعداد لإقراضها ولو بفوائد عالية، بسبب ثقة المنشآت المالية الأجنبية الكبرى بأن ألمانيا تحديداً، وهي التي لديها «فوبيا» أو خوف مرضي لأسباب تاريخية من التضخم، لن تسمح بطبع كميات هائلة من اليورو، فيفقد اليورو جل قيمته.

وبعبارة أخرى، فان الثقة باليورو أكثر من الثقة بالدراخما اليونانية والجنيه القبرصي وغيرهما من عملات دول الاتحاد الأوروبي الأضعف، وهذا أيضاً مما يفسر عدم انضمام دول أخرى من دول الاتحاد الأوروبي إلى اتحاد أوروبا النقدي، كبريطانيا والسويد، فكل من يهمهم قيمة العملات واثقون من استقرار قيمة الإسترليني وقيمة الكورونا السويدية، ولذلك تستطيع كل من بريطانيا والسويد الاقتراض، وإذا احتاجت من أسواق المال العالمية بتكاليف مناسبة.

وملخص الموضوع، يحتل الدولار مكانة بين العملات الصعبة، لأن الدولار عملة التجارة الدولية، والدولار أيضاً عملة «الاحتياط» في معظم دول العالم، ومعنى الاحتياط هنا هو ما تحتفظ به المصارف المركزية من موجودات في مقابل ما تصدره من عملاتها الوطنية، وهذا مما يجعل الارتباط بالدولار ميزة يتمنى من لا يتمتع بها تحقيقها لو استطاع.