شروخ مقلقة في نظام التجارة العالمي وبشائر تحولات في النظام النقدي الدولي

منذ التسعينات توسعت الاتفاقات التجارية العالمية الهافة الى تحرير تبادل البضائع من القيود والعراقيل، وحتى من رسوم الجمارك التي كانت تعتبر من مصادر الدخل الرئيسية للحكومات المعنية.

ولا شك في ان تطور السوق الاوروبية كان السبب الرئيسي لتعديل شروط التجارة وتوسيع الحريات وقد لحقت باتفاقات السوق الاوروبية اتفاقات لتحرير التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ومن ثم اتفاقات تحرير التجارة بين دول شرق آسيا.

وكان لانهيار جدار برلين واعادة اللحمة بين المانيا الشرقية والمانيا الغربية وقع كبير، فقد اصبحت المانيا البلد الاوروبي الاكبر اقتصادياً وبشرياً. كما تحول الاتحاد السوفياتي بعد انفراط عقده، الامر الذي يعتبره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اكبر كارثة سياسية في القرن العشرين، الى نظام اقتصادي حر ومتفلت. وتلك أمور ساهمت في ترسيخ صورة التجارة الحرة كوسيلة تعتمد على نطاق عالمي.

اليوم نجد توجهات مناهضة للتجارة الحرة. فالسوق الاوروبية والولايات المتحدة فرضتا على روسيا عقوبات تطاول تصدير ادوات انتاج النفط، وبعض منتجات التكنولوجيا، كما فرضها حظراً على التعامل مع بعض شركات النفط الروسية، وبعض المصارف.

ولم يرغب الاوروبيون في توسيع حلقة العقوبات، خصوصاً ان الدول الاوروبية تعتمد على مستوردات الغاز الروسي لكفاية نسبة مرتفعة من حاجاتها. ويبدو التناقض المصلحي في فرض العقوبات من استثناء صادرات الغاز من هذه العقوبات، بل ان الدول الاوروبية اشارت الى ضرورة عدم التعرض لصادرات الغاز الروسية، بما فيها تلك التي تعبر اوكرانيا، التي واجهت علاقات معقدة مع روسيا وخصوصاً بعد استعادة موسكو شبه جزيرة القرم التي كان خروشوف في نوبة سكر قد أعطاها لاوكرانيا، حين كان الاتحاد السوفياتي يشمل جميع الدول التي انفرطت عنه بعد عام 1991.

وحيث ان الغاز ضروري للمحافظة على قدرات الدول الاوروبية على الانتاج الصناعي وانتاج الكهرباء، وحيث ان خطاً ضخماً أنجز بين شمال غرب روسيا تحت البحر وشمال المانيا، ورئيس الشركة المشغلة للخط هو المستشار الالماني السابق غيرهارد شرودر، لا يمكن تعريض تجارة الغاز لأي عقبات، بل يمكن القول إن خطوط الغاز من روسيا عبر أوكرانيا الى الدول الاوروبية، يمكن النظر اليها على انها من مرتكزات التجارة العالمية، ويجب حمايتها باتفاقات دولية كالاتفاقات المتعلقة باستخدام قناة السويس، أو مضيق الدردنيل في تركيا.

إلاّ ان بشائر التحولات في النظام النقدي الدولي تبدو أكثر تأثيراً في علاقات الدول. فالمعروف ان نظام النقد الدولي صيغ عام 1944 قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، واعطى الولايات المتحدة وبريطانيا دوراً بالغ الاهمية في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وشروط اتفاقات “بريتون وودز” – اسم القرية التي عقدت فيها جلسات صون انظمة صندوق النقد والبنك الدولي – لم تعدل منذ 70 سنة، وتالياً وقياساً بالتطورات العالمية وخصوصاً خلال السنوات العشرين الاخيرة، بات من الضروري التصدي لهيمنة الدولار وتوجهات الولايات المتحدة وقراراتها، ولا سيما منها تلك المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية.

اجتمع ممثلو دول الـBRICS، أي البرازيل وروسيا والهند والصين اضافة الى ممثلي جنوب افريقيا، وقرروا السير ببرنامج للتخلي تدريجاً عن الدولار كعملة رئيسية في التجارة العالمية، وأسسوا مصرفاً برأس مال 50 مليار دولار يساندها 100 مليار دولار توفر في حال تعرض احوال أي من بلدان الـBRICS لازمة شديدة.
اتخذ هذا القرار قبيل فرض العقوبات على روسيا وكان هنالك تبرم واضح من السلطات الاميركية حيال الخطوات المتخذة، لكن هذه المبادرة لا يجوز اعتبارها بسيطة أو عقيمة. فحجم اقتصاد الدول الخمس المشار اليها، اذا اخذنا في الاعتبار القدرة الشرائية للدخل، يفوق 40 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي، وكي لا تبدو هذه الارقام مبالغاً فيها، نشير الى مصادر اميركية عدة وموثوق بها تعتبر حجم الاقتصاد الصيني قياساً بالقدرة الشرائية أكبر من الاقتصاد الاميركي حالياً.

العقوبات على روسيا لن تؤتى ثمارها، فعلاقاتها التجارية مع الصين والهند وايران على توسع، واتفاقاتها لتصدير الغاز الى الصين بالغة الضخامة (400 مليار دولار) وان تكن العملية تحتاج الى سنوات لبدء تصدير الغاز الروسي الى الصين، وليس هنالك سبيل لاوروبا الغربية للابتعاد عن استيراد الغاز الروسي في المدى القريب.
روسيا، بمستوياتها التقنية في مجالات المفاعلات النووية والفضاء، وثرواتها النفطية والمعدنية، فهي ثانية أغنى الدول بالاورانيوم والدولة الاكثر تخصيباً له، كما لديها كميات من الذهب ملحوظة، قد تتمكن من تجاوز تأثيرات المقاطعة بسهولة أكبر مما يقدر الاميركيون.

 

مروان اسكندر.