خمول الاقتصادات الصناعية وأخطاء المصارف المركزية

تكاثرت في الاشهر المنصرمة الكتب والتعليقات في الصحف والمجلات الاقتصادية عن أسباب الازمة المالية والاقتصادية العالمية المستمرة منذ عام 2008 من غير ان تظهر ملامح تحسن ملحوظ في الاداء إلاّ في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث ضخت مبالغ ضخمة لاستيعاب خسائر المصارف الكبرى. وعلى رغم تحسن اداء الاقتصادين عام 2013 الى مستوى نمو يساوي 3 في المئة، في مقابل جمود في معدل النمو في أوروبا، بقيت معدلات الدخل الفردي في بريطانيا والولايات المتحدة، قياساً بالقدرة الشرائية، دون المستويات المحققة عام 2008.
بكلام آخر، انقضت ست سنوات لم يتحقق خلالها نمو حتى في بريطانيا والولايات المتحدة، وفي اوروبا الغربية لم تحقق أي من دول السوق الاوروبية نمواً الاّ في المانيا التي شهدت في الربع المنصرم انخفاضاً بنسبة 0,8 في المئة في حجم الانتاج، في مقابل الفترة المماثلة من العام المنصرم.
السؤال المطروح، ما هي اسباب الازمة المستمرة؟
غالبية المتابعين للشؤون المالية والاقتصادية يعتبرون الشطط في الاقراض، وخصوصا الاقراض العقاري، وتسويق سندات موثقة برهونات غير مدروسة، السبب الرئيسي لتفجر الازمة العالمية. وقد شهدنا حديثاً فرض عقوبات مالية على بنك أوف أميركا بقيمة 16,5 مليار دولار، تعويضاً لمساهمين في شراء سندات موثقة برهونات عقارية غير مدروسة.
بالاضافة الى ممارسات المصارف، ساهمت مؤسسات التصنيف الدولية في غش أصحاب الاموال عن سبيل اعطاء المؤسسات المالية والمصرفية والتأمينية، شهادات توثيق لم تدرس قواعدها مؤسسات التصنيف التي طاولتها عقوبات بلغت بالنسبة الى احدى كبرى هذه المؤسسات خمسة مليارات دولار.
وفي رأي اقتصادي أميركي معروف أن كل هذه التطورات السلبية كان في الامكان تفاديها لو حافظت المصارف المركزية على سياسات نقدية صارمة، ولا سيما منها الاحتياط الفيديرالي في الولايات المتحدة. ومن المعروف ان هنالك قانوناً الغي عام 1997 كان يمنع المصارف التجارية من تعاطي تسويق سندات موثقة بقروض عقارية أو غيرها، لكن هذا القانون قبل الغائه وبقرارات من الاحتياط الفيديرالي أفسح تدريجاً في مجال دخول أعمال الاسواق المالية للمصارف التجارية. ومنذ عام 1986، وحين تقرر الغاء القانون الذي يحظر دمج النشاطين، الاقراض التجاري والاستثمار في السندات والعقود المستقبلية وما شاكلها، كانت مفاعيل القانون قد تجاوزتها الممارسات المتفلتة من كل قيد.
خلال فترة التفلت التدريجي والتصاعدي بسرعة كان ألان غرينسبان، رئيس هيئة الاحتياط الفيديرالي. وهذا الرجل الذي استمر في دوره أطول فترة في التاريخ الحديث، كان يؤمن بالفلتان، وبان تطورات الانتاجية واستمرار نمو اسعار العقارات امران كفيلان باستمرار النشاط المتزايد من دون توقف، فكانت الكارثة، واصبحت ذكرى غرينسبان ملطخة بالانتقادات العلمية القاسية.
اليوم نقرأ مراجعة لكتاب مارتن وولف، كبير المعلقين الاقتصاديين في “الفايننشال تايمس”، عن اسباب الازمة واستمرارها والمخاوف المستقبلية، لجوزف ستغليز، وهو اقتصادي حائز جائزة نوبل. يقول في مراجعته إن الكتاب جيد، لكنه لا يوضح مساوىء ممارسات المصارف الكبرى وتصرفات القيمين على شؤونها، كما لا يعرض لشروط ضبط الاسواق، وتعزيز قواعد النظام المالي العالمي، عن سبيل تطوير شروط عمل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.
ويرى ستيغلز ان مارتن وولف تجاوز البحث في ظاهرة البطالة المتوسعة والمتزايدة، ولم يوضح بأي شكل ما هو مطلوب من المصارف المركزية، وقادة الدول سواء منها الدول المستقلة، أو الدول المنتظمة في كتل اقتصادية ونقدية كالدول المعتمدة على الاورو.
من هنا انطلاق مارتن وولف في تصوير سنوات المستقبل بانها ستكون سنوات ضيق (Malaise) ولن تشهد انتفاضة قوية تساهم في تحقيق معدلات نمو واعدة، انما هي استخلاص، لا يرفق بتوصيات مجدية عن المنهجية المطلوبة لاستعادة النمو في البلدان الصناعية.
بعد توقعات مارتن وولف السوداوية، وانتقادات ستيغلز المغلفة بكلمات ملطفة، نقرأ تقويماً أشد قسوة بكثير لمهاتير محمد، الرجل البالغ من العمر 88 سنة والذي كان وراء تطور ماليزيا بسرعة، سواء على صعيد الخدمات المالية والسياحية أو النشاطات التصنيعية. مواقف مهاتير محمد عبر عنها لمجلة “لوبوان” الفرنسية التي تعنى بالشؤون المالية والاقتصادية، وهو اعتبر ان السياسات الاميركية، المفرطة في طبع الدولارات، وشراء السندات والاسهم، هي التي تساهم في استمرار الازمة، كما في التشكيك في مستقبل الدولار، كعملة لتمويل التجارة العالمية.
ويعتقد مهاتير محمد ان الدول الصناعية الاوروبية لن تستطيع تجاوز الازمة في القريب العاجل، لان قدراتها التنافسية تجاه بلدان شرق آسيا باتت دون ما هو مطلوب. ويضيف ان هذه البلدان ستعاني وضعاً يشبه ما واجهته اليابان منذ نهاية الثمانينات، حين انهارت اسعار العقارات وافلست شركات كبرى وغاب النمو عن البلد الذي كان يتمتع بثاني اكبر دخل قومي في العالم، وهو المركز التي تحتله الصين حالياً.
وللذكر، نشير الى ان مهاتير محمد رفض تقييد السياسيات الاقتصادية والمالية لبلده بتوصيات القيود الصارمة على الانفاق الحكومي، وهو خالف مستوجبات تحرير التحويلات الترسملية فمنع هذه التحويلات فترة نجح خلالها في استعادة النمو في ماليزيا، وكان تالياً فريدا في مخالفة التوصيات الدولية وتحقيق النجاح في آن واحد.
وهو يعتقد أيضاً ان مستقبل الاقتصاد العالمي مرتهن باستمرار نمو الصين والهند وكوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا وسنغافورة وتطورها، وتفاعل هذه الدول مع فرص النمو والتطوير، واستغلال الثروات الطبيعية في أوستراليا وافريقيا – لكن كل هذا في رايه لن يخرجنا من مناخ الازمة العالمية، ما لم تستعد الدول الصناعية العريقة ممارسات الرقابة على الانفلات المالي والنقدي، والاستثمار في التطور التقني، وفي مجالات الصحة والتعليم.
مروان اسكندر.