ألمانيا تعتزم تعزيز الاستثمارات الحكومية

على رغم استمرار الحكومة الألمانية المسيحية – الاشتراكية في رفض تخصيص برامج استثمارية حكومية لتنشيط الاقتصاد، أكدت وزارتا المال والاقتصاد أخيراً البحث في كيفية المساهمة في زيادة الاستثمار، لسد ثغرة ضعف استثمارات الشركات الخاصة الألمانية والأجنبية.

وتجد الحكومة الألمانية نفسها بعد إقرارها في البرلمان أخيراً موازنة عام 2015، من دون أي دَين للمرة الأولى منذ نحو أربعة عقود، بين كماشتي الالتزام بالقرار والضغوط الداخلية والأوروبية والدولية. وازدادت أخيراً مطالبة خبراء اقتصاد ألمان وأجانب بضرورة العمل على تنشيط الاقتصاد من خلال برامح اقتصادية، لكسر حلقة الانكماش الذي يضرب اقتصادات الدول الأوروبية، إلى جانب التمسك بالتقشف وضبط الموازنة.

وعكس إعلان الوزارتين التوازن القائم داخل الحكومة الألمانية الائتلافية، حيث الشريك الاشتراكي يدفع من وراء الكواليس في اتجاه زيادة الاستثمارات الحكومية، فيما الشريك المسيحي – الديموقراطي لا يزال يراوغ على رغم تصدّع موقفه.

وفي مقابل تشديد وزير المال المنتمي الى هذا الفريق، فولفغانغ شويبله، على ضرورة قيام الدولة بتحسين الشروط العامة للقطاع الخاص لتشجيعه على مزيد من الاستثمار، حضّ وزير الاقتصاد الاشتراكي زيغمار غابرييل على البحث في كيفية زيادة الاستثمارات الحكومية المتفق عليها في برنامج التحالف والتي لم تنفذ بعد. وأعلن «تكليف لجنة تضم خبراء ورجال أعمال ونقابيين وباحثين، لاقتراح السبل الكفيلة بزيادة الاستثمارات الحكومية والخاصة، والبحث في كيفية استغلال رؤوس الأموال الضخمة في الأسواق المالية، لتجديد البنى التحتية في ألمانيا».

وإلى جانب المبالغ التي حُددت في برنامج الحكومة لدعم التعليم والبحوث والمواصلات وتطوير المدن، شدد على ضرورة «الاتفاق على خطوات أخرى».

وكان التحالف الحكومي اتفق على تخصيص خمسة بلايين يورو لاستثمارها في قطاع المواصلات حتى عام 2017، إلا أن الخبراء يجمعون على أن المبلغ ضئيل جداً، وأن المطلوب رفع المبالغ المخصصة كذلك لقطاعي البحوث والتعليم. وعلى سبيل المثال رأى خبراء أن المواصلات المتقادمة في البلاد تحتاج إلى التحسين والتجديد، ويتحدثون عن وجود ستة آلاف جسر في حالة مزرية من أصل 39 ألفاً في البلاد. علماً أن الدولة لم تؤمن مبالغ صيانة وتجديد لأكثر من 78 جسراً منهم. وتمنع الشرطة منذ زمن غير قصير سير شاحنات النقل الثقيلة على جسور وطرقات عامة، بسبب علامات الضعف فيها، وتركها من دون صيانة بسبب عدم توافر المال اللازم. وتقطع عشرات آلاف الشاحنات الطرق والجسور يومياً في ألمانيا، وفي حين كانت شاحنات النقل المنتجة في الستينات والسبعينات تزن 24 طناً تضاعف وزنها اليوم تقريباً ليصبح 44 طناً، ما يشكل خطراً على الجسور في حال إهمال صيانتها. وخصصت الحكومة أخيراً بليون يورو لوزارة المواصلات الاتحادية للقيام بهذه المهمة، علماً أن المبلغ ضئيل جداً.

وكان خبراء ورجال أعمال طالبوا الحكومة بضرورة «تخصيص بضعة بلايين يورو سنوياً، حددها بعضهم بستة للقيام بهذه المهمة بنجاح». وأكدوا أن محاولة تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في قطاعات المواصلات والبنى التحتية والتعليم «أمر يصعب حصوله لأن المستثمر الخاص يسعى إلى الربح السريع ويفضل الابتعاد عن المحاذير، من هنا يبقى القطاع العام في معظم الأحوال المسؤول الأول عن هذه المهمة».

لا شك في أن مثل هذه الاستثمارات الكبيرة يفرض على الدولة الاستدانة من القطاع الخاص، وهو أمر يتجنبه الطرف المسيحي – الديموقراطي في الحكومة الألمانية وغير الراغب في التخلي عن نهج التقشف الذي نادى به منذ بدء أزمة الديون، لأسباب داخلية وخارجية. وهو مصمم على الأقل على عدم التراجع عن موقفه حتى العام المقبل، كي يبرز الموازنة كـ «نموذج ناجح» لنهج التقشف.

ويُذكر أن «تقرير الخريف» الصادر عن أهم معاهد البحوث في ألمانيا، وكذلك تقرير «مجلس حكماء الاقتصاد الألمان»، رفضا مبدأ تحقيق توازن في موازنة الدولة بالمطلق. وشدد التقريران على أن «لا مغزى لهذا الهدف في الظرف الراهن، وذلك من وجهة نظر اقتصادية بحتة». إذ إن المطلوب حالياً أن «تنفذ الدولة استثمارات هادفة خصوصاً في البنى التحتية».

اسكندر الديك.