الانزلاق في شرك الانكماش يهدد بدائرة مفرغة خطيرة

حل شبح الانكماش على الاقتصاد العالمي الأسبوع الماضي، بعدما سجلت منطقة اليورو تراجعا في الأسعار للمرة الأولى منذ أكثر من خمس سنوات، ما أثار مخاوف من أن العالم يمكن أن يدخل في حلقة مفرغة من تراجع الدخول والإنفاق.

انخفضت الأسعار في منطقة اليورو بنسبة 0.2 في المائة في السنة المنتهية في كانون الأول (ديسمبر)، بعد انخفاض بنسبة 50 في المائة في أسعار النفط منذ حزيران (يونيو). وفي حين إن كثيرا من الاقتصاديين كانوا يتوقعون هذا الأمر في الاتحاد النقدي، إلا أن هناك مخاوف الآن من أن الانكماش يمكن أن ينتشر. ولأن أسعار النفط حول 50 دولارا للبرميل، فإن 18 دولة على الأقل – بما في ذلك ألمانيا والمملكة المتحدة – يمكن أن تشهد تضخما سلبيا، بحسب تقديرات “أكسفورد إكونوميكس”.

المخاوف من الانكماش أدت إلى زعزعة سوق الأسهم العالمية، التي هوت يوم الإثنين قبل أن تقلص خسائرها. ويدرك المستثمرون أنه بمجرد أن يسقط الاقتصاد في الانكماش الصريح – على شكل انخفاض مستمر وعام في الأسعار – يصبح من الصعب جدا الخروج منه. هذا ما حدث في اليابان، حيث يكافح صناع السياسة لرفع الأسعار منذ عام 1999. لكن في حين تقدم اليابان حكاية تحذيرية، ليس من الضروري أن تكون الأمور على هذا النحو.

اليابان هي مثال على الانكماش “السيئ”، حيث تنخفض الأسعار نتيجة لتباطؤ الطلب. ولأن المستهلكين يتوقعون أن تصبح البضائع أرخص في المستقبل، فإنهم بالتالي يؤجلون عمليات الشراء، وهذا يعمل على تفاقم الركود. وإذا واصلت الأسعار انخفاضها، فإن الدخول الاسمية قد تبدأ في الانخفاض، ما يجعل الأمر أكثر صعوبة لخدمة الديون. ويمكن أن تتبع ذلك موجة من حالات الإفلاس، ما يضاعف من البؤس.

لكن هناك أيضا سيناريو انكماش أكثر تفاؤلا: انخفاض الأسعار يمكن أن يكون نتيجة للتحسن في الإنتاجية، حيث يصنع العمال السلع والخدمات بتكلفة أقل. ويمكن للتراجع في تكاليف الواردات أيضا أن يكون له تأثير إيجابي، يتمثل في زيادة الدخل المتاح.

حدث هذا في ألمانيا الغربية عام 1986، عندما انخفضت الأسعار الاستهلاكية بنسبة تصل إلى 1 في المائة، في الوقت الذي انخفضت فيه أسعار النفط، لكن الناتج على مدى السنوات الثلاث التالية سجل نموا بمتوسط صحي بلغ 2.9 في المائة.

السؤال المهم بالنسبة للمستثمرين والسياسيين هو: هل السيناريو الأول أم الثاني هو الذي ينطبق على الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر؟ حاليا، يظهر أن الانخفاض في الأسعار يشبه تجربة أواخر الثمانينيات أكثر من سنوات الكساد في الثلاثينيات. فقد كان الدافع وراء انخفاض التضخم إلى حد كبير هو تكلفة الطاقة، في حين إن التضخم الأساسي – الذي يجرد تأثير البضائع ذات الأسعار الأكثر تقلبا – قد صمد بشكل عام.

وليست هناك أدلة كثيرة على أن المستهلكين يؤخرون المشتريات على أمل أن تستمر الأسعار في الانخفاض. في السنة المنتهية في تشرين الثاني (نوفمبر)، ارتفع نمو مبيعات التجزئة عبر الاقتصادات المتقدمة نحو 2 في المائة، بحسب “كابيتال إيكونوميكس”.

في الواقع، طالما بقي تراجع الأسعار يقتصر على الطاقة، فليس هناك سبب يذكر يدفعنا للاعتقاد بأن هذا التغيير في الحالة النفسية سيحدث. وقال بول دونوفان، وهو اقتصادي لدى بنك يو بي إس “لماذا نفترض أن المستهلك سينظر إلى سعر النفط المنخفض ويقول في نفسه إنه طالما انخفضت تكلفة ملء سيارة العائلة ذات الدفع الرباعي بالبنزين، فمن الأفضل لي عدم شراء جهاز التلفزيون ذي الشاشة المسطحة الذي أردته، لأنه سيكون أرخص الشهر المقبل”؟

وعلى الرغم من انخفاض التضخم، لا يزال المختصون في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يتوقعون لنمو الاقتصاد العالمي أن يكون أسرع في العام المقبل بفضل انخفاض أسعار النفط.

لكن هناك استثناء كبير لهذا السيناريو الوردي: منطقة اليورو، وبوجه خاص، البلدان الطرفية الأكثر اضطرابا في المنطقة، مثل اليونان وإسبانيا. في استطلاع حول توقعات التضخم أجري في كانون الأول (ديسمبر) لحساب المفوضية الأوروبية، يتوقع المشترون أن تثبت الأسعار خلال العام الجديد.

هذه المخاوف ستلقي بثقلها على البنك المركزي الأوروبي عندما يجتمع في 22 كانون الثاني (يناير) الجاري. ووفقا لكثير من المحللين، لن يكون لدى “المركزي الأوروبي” أي خيار سوى الشروع في برنامج شراء السندات السيادية، أملا في زيادة التضخم.

وقالت جيسيكا هيندز، من “كابيتال إيكونوميكس”، “يبقى الضغط قويا على البنك المركزي الأوروبي لتقديم برنامج كبير للتسهيل الكمي في اجتماعه في وقت لاحق هذا الشهر، لمنع الانكماش من أن يضرب بجذوره بعمق في الأرض”.

محافظو المصارف المركزية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبلدان أخرى لديهم أسباب أقل للشعور بالقلق في الوقت الراهن، لكنهم سيراقبون الأسعار مثل الصقور النهمة.

 

المستهلكون .. نعمة أم نقمة؟

 

نوبة قصيرة من الانكماش يمكن أن تكون نعمة بالنسبة للمستهلكين، خاصة عندما تكون مدفوعة بانخفاض في أسعار النفط، أو إحدى الضروريات المستوردة الأخرى. فالأسر تجد أن شيكات رواتبها تتيح لها الإنفاق أكثر من قبل. وانخفاض الأسعار يعني أيضا أن الأسر المدينة لديها مزيد من المال لسداد ما عليها من ديون.

لكن فترة طويلة من الانكماش سيكون لها تأثير مختلف في سلوك المتسوقين. فلأنهم يعلمون أن جميع السلع ستكون غدا أرخص مما هي اليوم، فسيعملون على تأجيل مشترياتهم. وهذا له تأثير ضار في الشركات التي تواجه ركودا في الطلب وضغطا في الأرباح.

ولا بد أن يكون للمتاعب المالية للشركات تأثير في الأسر، التي سيواجه بعضها احتمال تسريح العاملين، أو خفض الأجور والحد من دخلها المتاح، والإضرار بالاستهلاك. وحتى أولئك الذين يدخرون سيواجهون مزيدا من عوامل اللبس وربما يدخرون جزءا أكبر من دخلهم، ما يلقي بثقله على الطلب. وأخيرا، العمال المدينون سيجدون من الأصعب عليهم تسديد ديونهم، الآخذة في الارتفاع بالقيمة الحقيقية، مع استمرار ركود الأجور أو انخفاضها.

وانخفاض الأسعار لفترة طويلة يجعل من غير المرجح للعاملين المطالبة بأجور أعلى عند المساومة مع أصحاب العمل. في الواقع، ربما يكونون قانعين تماما بقبول راتب راكد، لأن هذا من شأنه أن يستمر في زيادة قوتهم الشرائية في مواجهة انزلاق الأسعار. هذا التأثير في مفاوضات الأجور هو أحد الأسباب التي تجعل من الصعب جدا الخروج من فترة طويلة من الانكماش.

شينزو آبي، رئيس وزراء اليابان، حث الشركات على دفع مزيد للعاملين لديها، في الوقت الذي يرى فيه جولات التفاوض على أنها ساحة رئيسية في معركته ضد الانكماش. لكن حتى الآن، لا يزال نمو الأجور بطيئا.

 

الشركات .. الفائزون والخاسرون

 

تأثير الانكماش في الشركات يعتمد على كيفية تحرك سعر منتجاتها بالنسبة لتكلفة المدخلات اللازمة لتصنيعها. والانزلاق الأخير في أسعار النفط الخام يساعد على تفسير كيفية عمل هذا الأثر.

تمتعت الشركات التي تعتمد تكاليفها بشكل كبير على أسعار النفط، مثل شركات الطيران، بموسم رائع لبضعة أشهر. ففي كانون الأول (ديسمبر)، قدر محللون في “باركليز” أن صناعة الطيران الأمريكية يمكن أن تشهد انخفاضا في تكاليفها بحدود عشرة مليارات دولار. وهذا سيترجم إلى هوامش ربح أوسع.

على العكس، شركات النفط الكبرى تعاني ضائقة لا يستهان بها في أرباحها، بسبب هبوط قيمة إنتاجها، في حين إن أسعار مدخلاتها تعتبر دون تغيير تقريبا.

وليست كل الشركات عرضة لذلك على حد سواء: القوة المالية النسبية تعتمد على عوامل مثل مستويات الدين، أو قوة حركة السيولة. لكن آفاق الاستثمار يمكن أن تتأثر بشدة، رغم أن هذا يعتمد على أسعار النفط في المستقبل أكثر من اعتماده على الأسعار الحالية.

ومع ذلك، في سيناريو الانكماش المعمم تواجه جميع الشركات صعوبة في تحقيق التوازن. فمع هبوط أسعار المخرجات، يتعين على المديرين تقليص تكاليفهم بقوة للحفاظ على هوامش الربح. وهذا يعني خفض رواتب العاملين، مثلا.

لكن الاقتصاديين عموما ينظرون إلى الأجور على أنها “مستمرة في الهبوط”، هذا يعني أنه يمكن أن يكون من الصعب فرض تخفيضات اسمية على قيمة أجر العامل. وهذا بدوره يعني أن على الشركات تقليص الوظائف، ما يفاقم من الركود بسبب زيادة البطالة.

الانكماش الكامل أيضا يعرِّض للخطر استقرار القطاع المالي. من الناحية النظرية، هبوط الأسعار يساعد الدائنين، الذين يجدون أن القيمة الحقيقية لقروضهم تأخذ في الارتفاع.

لكن يمكن لفترة طويلة من الركود أن تؤدي إلى موجة من حالات الإفلاس تؤثر في الميزانيات العمومية للمصارف، التي ستعاني أيضا أي انخفاض في أسعار الأصول، الذي يقلل من قيمة أي رهانات مقبوضة لديها.

 

الأسواق .. مراقبة الآثار

 

تترتب على الانكماش عواقب عميقة على الأسواق المالية. الآثار المبدئية واضحة بصورة لا لبس فيها، لكن الآثار الثانوية أصعب من حيث اكتشافها.

في البيئة الانكماشية الفائز الأكبر هو سندات الدخل الثابت التقليدية. فهي تدفع فائدة ترتفع قيمتها مع الزمن، إذا استمر الانكماش. والخاسر الأكبر هو السندات المرتبطة بالمؤشرات.

ما وراء سوق السندات، تصبح الأموال النقدية أوسع انتشارا، حتى مع إنها من الناحية العملية لا تدفع أي فائدة على الإطلاق، لأن قيمتها ترتفع خلال الانكماش. وعلى الأرجح سيضاعف المهندسون الماليون جهودهم للعثور على طرق لضمان العوائد. وبحكم التعريف، تهبط أسعار السلع الأساسية.

بالنسبة للأسهم، ينطوي الانكماش على غياب قوة التسعير من قبل الشركات وغياب النمو – وهما أمران سيئان بالنسبة لأسواق الأسهم. لكن ديفيد باورز، من مؤسسة الاستراتيجية المطلقة للأبحاث، يشير إلى أن المال سيتدفق إلى الشركات التي تستطيع أن تجعل نفسها قدر الإمكان شبيهة بالسندات. وهي تستطيع أن تفعل ذلك من خلال دفع مزيد من المال على شكل أرباح أسهم، أو من خلال إعادة شراء أسهمها. وبحسب تعبيره “تكون الشركات محفزة لاستهلاك نفسها بالمال”.

هذا يؤدي إلى آثار محتملة من الدرجة الثانية. إذا كان لدى الشركات حافز لتوزيع السيولة، يغلب عليها أن تنفق مبالغ أقل على الاستثمارات الرأسمالية – وهو ما يُضعِف النمو الاقتصادي.

ويبدو أن الشركات أخذت منذ الآن تتكيف مع الوضع. خلال الشهور الـ 12 المنتهية في أيلول (سبتمبر)، وجد هوارد سلفربلات، من “ستاندرد آند بورز”، أن الشركات المدرجة على مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أنفقت 920 مليار دولار على عمليات إعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح معا – وهي زيادة بنسبة 20 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وهذا يتجاوز إلى حد كبير النمو في أرباح الشركات أو إيراداتها. كما أنه أعلى 5.5 مرة من 164.7 مليار دولار خصصتها تلك الشركات للنفقات الرأسمالية. أدت سوق الأسهم في أواخر التسعينيات إلى استثمار مفرط جامح من قبل الشركات، خصوصا في الولايات المتحدة. وهي تخشى الآن أن الانكماش يمكن أن يدفع الأسواق نحو فرض الاستثمار الأدنى، في الوقت الذي تحاول فيه الشركات أن تجعل أسهمها شبيهة بالسندات.

 

المصارف .. نحو الهدف

 

خلال العقدين السابقين تبنى كثير من المصارف المركزية حول العالم أهدافا للتضخم، ما يعني أن قرارها بزيادة أو تخفيض أسعار الفائدة يعتمد على طبيعة حركة مؤشرات الأسعار. ومقياسها الرئيسي هو في العادة معدل “التضخم المؤقت”، الذي يشتمل على جميع السلع والخدمات. نتيجة لذلك، يمكن لحالات الهبوط الحاد في تكلفة المنتجات المتقلبة، مثل النفط، أن تؤدي إلى انحرافات حادة عن هدف البنك المركزي.

يحاول صناع السياسة أن يتجاهلوا التقلبات التي من هذا القبيل وأن يركزوا على معدل “التضخم الأساسي”، وهو مقياس يستثني الأسعار المتقلبة للطاقة والمواد الغذائية. ولأن المصارف المركزية تهتم في العادة بالمحافظة على استقرار الأسعار على الأمد المتوسط، فإن هذا يجعل من الممكن تجنُّب ردود الأفعال المندفعة في وجه التقلبات المؤقتة.

لكن الخطر بالنسبة إلى السلطات النقدية هو أنه حتى الموجة المؤقتة من التضخم تستطيع أن تغير من توقعات المستهلكين، على نحو يغير سلوكهم في الإنفاق والأجور التي يطالبون بها أصحاب العمل. في تلك المرحلة يصبح من الصعب تماما على البنك المركزي أن يرفع التضخم ليعيده إلى الرقم المستهدف: أبقى بنك اليابان على أسعار الفائدة قريبا من الصفر خلال السنوات الـ 15 الماضية، لكن هذا أخفق إلى حد كبير في إثارة ارتفاع مستدام في مستوى الأسعار.

في بيئة تتسم بالانكماش المتواصل، يواجه صناع السياسة النقدية أمورا صعبة ومشكلات متعددة. وتعمل المصارف المركزية على تحفيز الاقتصاد من خلال تخفيض ما يعرف بـ “سعر الفائدة الحقيقي”، وهي طريقة لتشجيع الأسر والشركات على الاستثمار بدلا من الادخار. وحين تهبط الأسعار، فلا بد من دفع أسعار الفائدة الاسمية إلى مستويات دنيا للغاية من أجل تعزيز الناتج.

لكن أحيانا حتى هذا الإجراء لا يفي بالغرض. حين يكون الطلب ضعيفا للغاية، تحتاج المصارف المركزية إلى تخفيض أسعار الفائدة الاسمية إلى ما دون الصفر، من أجل إعطاء دَفعة كافية للطلب. لكن هذا مستحيل، لأن المدخرين سيسحبون أموالهم من المصارف. في هذه الحالة تضطر المصارف المركزية إلى تطبيق إجراءات غير تقليدية، يمكن أن تشتمل على التسهيل الكمي.