اليونان.. نزيل لا يملك تكلفة الإقامة الدائمة في فندق اليورو

عند إطلاقه في الأول من كانون الثاني (يناير) 1999، تصور مبتكرو اليورو دخولاً في الاتحاد النقدي الأوروبي لا رجعة فيه – أي أن يكون مثل فندق، بمجرد أن تدخله إحدى البلدان، لا تستطيع الخروج منه أبدا. لكن إذا كانت اليونان فستكون مقيماً دائماً، شخص ما عليه أن يدفع فاتورتها.

هل أخذت إدارة الفندق تشعر بالقلق؟ مع استعداد اليونان لانتخاباتها في 25 كانون الثاني (يناير) الجاري، يقوم صنّاع السياسة في برلين وبروكسل بإلقاء تلميحات بأن منطقة اليورو في وضع أفضل مما كانت عليه في عام 2012 على نحو يمَكِّنها من البقاء على قيد الحياة بعد خروج اليونان، وأنها ربما تكون أقوى بدون اليونان.

سواء كانوا يؤمنون بذلك، أو ما إذا كانوا سيحوّلون المعتقدات إلى أفعال، فهذه مسألة أخرى. قبل ثلاثة أعوام، في ذروة حالات الطوارئ للسندات السيادية والقطاع المصرفي، فكرت حكومتا ألمانيا وهولندا بجدية في إمكانية السماح بخروج اليونان وقررتا عدم الإقدام على ذلك. كانت كل حكومة منهما تخشى إنشاء سابقة تترتب عليها عواقب مالية وجيوسياسية لا يمكن التنبؤ بها.

ما كان لذلك أن يكون حالة طرد رسمية لليونان، لأنه لا توجد آلية قانونية لطرد أي بلد من منطقة اليورو. بدلاً من ذلك أصحاب الفندق الأوروبيون كانوا سيؤكدون أن الضيف اليوناني، بعد أن خسر نقوده في الكازينو، قرر المغادرة.

في ظل الظروف الراهنة، واليونان على وشك الذهاب إلى صناديق الاقتراع، يبدو غريباً للوهلة الأولى أن شبح خروجها من اليورو أخذ يطل برأسه مرة أخرى. لا يوجد أي فائز محتمل في الانتخابات يمكن أن يدعم ذلك، وكذلك لن يفعل معظم الناخبين اليونانيين. أما بالنسبة لشركاء اليونان الـ 18 في منطقة اليورو، فبعضهم يفهم جيداً خطر وجود سابقة في الأسواق المالية ربما تعرضهم هم أنفسهم للخطر يوما ما.

التفسير هو أن ألمانيا، وصنّاع سياسة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، يرسلون إشارة إلى الناخبين اليونانيين والأحزاب السياسية، خاصة حزب سيريزا، اليساري المتطرف الذي يتصدر استطلاعات الرأي. رسالتهم هي أنه لا ينبغي لأي حكومة الاعتماد على تنازلات بعيدة المنال من الدائنين الأوروبيين عند استئناف المحادثات حول عملية الإنقاذ الدولية لليونان، البالغة 245 مليار يورو.

ويوم الخميس أكد البنك المركزي الأوروبي هذه الرسالة. فقد أشار إلى أن الشروط الخاصة التي تتمتع البنوك اليونانية بها للوصول إلى أموال البنك المركزي الأوروبي قد تتوقف ما لم تبرم اليونان اتفاقا جديدا مع مقرضيها في الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. هذا الوصول مهم جداً للنظام المالي اليوناني بحيث إن الحكومة التالية في أثينا، شريطة أن تكون راغبة في البقاء في منطقة اليورو، ستكون في وضع لا يسمح لها بتهديد دائنيها.

إذن، على النقيض من الحملات الانتخابية المتتابعة في أيار (مايو) وحزيران (يونيو) 2012، القضية الأساسية اليوم ليست خروج اليونان، بل هي الطريقة التي سيتفاوض بها الشخص الذي سيصبح رئيساً للوزراء من أجل تسوية بشأن المرحلة التالية من برنامج إنقاذ اليونان.

إذا فاز أليكسس تسيبراس، رئيس حزب سيريزا، فسيكون من الحكمة أن يعرض عليه الدائنون الأوروبيون، باعتباره زعيما يونانيا انتُخِب ديمقراطياً، بعض المكافأة مقابل المساعدة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. لكن ينبغي أن يوضّح الدائنون أن المساعدة المالية لا تزال تعتمد على جهود صادقة وقوية للإصلاح.

في المقابل، ينبغي لهم جعل مراقبتهم لتلك الجهود أقل تدخلاً، وأن يعالجوا استياء سكان اليونان الحاد نتيجة شعورهم بأنهم خاضعون لنوع من نظام العقوبات الأجنبي منذ خمس سنوات تقريباً. بإمكانهم السماح بأهداف أقل للفائض الرئيسي في المالية العامة والسماح لتسيبراس بزيادة الحد الأدنى من الأجور، ولو بنسبة تقل عن الـ 50 في المائة التي يقترحها.

الأهم من هذا كله يحتاج الدائنون إلى النظر بجدية إلى دعوة حزب سيريزا لإعادة هيكلة الديون. ربما، نظراً للظروف السياسية في ألمانيا وغيرها من البلدان الدائنة، فإن الحديث عن تخفيض كبير للقيمة الاسمية لديون اليونان البالغة 175 مليار يورو مقابل التزامات صلبة بإجراء إصلاح اقتصادي من حكومة بقيادة حزب سيريزا يعد أمرا ميئوسا منه. لكن إذا تمكن كل طرف من تقديم التنازلات الضرورية، فمن يعرف المدة التي بإمكان الجميع فيها الإقامة في الفندق؟