هل يغامر “سيريزا” باستقرار اليونان؟

لا يشك القادة الفاعلون في المجتمع الدولي في أن توجُّه حزب “سيريزا” الحاكم اليونان حديثاً نحو روسيا لا يعكس فقط رغبة في الضغط على الإتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لتليين شروطهما تجاه بلاده. بل يعكس أيضاً موقفاً إيديولوجياً من الغرب الرأسمالي. كما يعكس اقتناعاً حالماً بأن روسيا الحالية هي تتمة للإتحاد السوفياتي، وبأن توجهها لاستعادة مجد غابِر هو جدّي ونهائي. والإشارات إلى ذلك كثيرة تضمّن “الموقفان” الأخيران في “النهار” قسماً منها، ويورد الباحثون المتابعون أوضاع اليونان بعضاً آخر، مثل مسارعة رئيس الوزراء الجديد إليكسي تسيبراس بعد ساعات فقط من وصوله إلى السلطة بزيارة السفير الروسي في مكتبه. ومثل “تمتُّع” وزير الخارجية اليوناني الجديد بصفة المؤيد لروسيا. ومثل تهديد حكومة تسيبراس بممارسة حق النقض لتعطيل فرض عقوبات أوروبية على روسيا.
من شأن ذلك تعقيد الأمور والأوضاع في اليونان وإيقاعها في الفضاء السياسي والاقتصادي والبشري والأمني المسيطر على محيطيها العربي المسلم والأوروبي. وسيكون ذلك على حساب الديون ونمو الاقتصاد والإصلاحات الهيكلية. وفي هذا المجال فإن التهديد مثلاً، وقد يصبح واقعاً قريباً، بالخروج من حلف شمال الأطلسي وبيع قاعدته البحرية في اليونان إلى روسيا سيعتبره الاتحاد الأوروبي وأميركا أمراً جدياً للغاية. إنطلاقاً من ذلك يتساءل الباحثون أنفسهم إذا كان لعب اليونان ورقة روسيا يدفع أوروبا وأميركا إلى التركيز على “الجيوبوليتيك” أكثر من مشكلة ضرائبها والديون؟ ويتساءلون أيضاً إذا كان تساهل أميركا وصندوق النقد الدولي مع اليونان في موضوع الديون وشطب بعضها سيجعلها تعتقد أن مطالبتها بشطبها كلها ستلقى التجاوب. وجوابهم عن التساؤلين أن ذلك ليس سهلاً. إذ أن على “سيريزا” وزعيمه رئيس الحكومة تسيبراس، وقبل لعب الورقة الروسية، أن يطرحا ثلاثة أسئلة ويحاولان إيجاد أجوبة منطقية عنها. الأول هو: هل ستفي روسيا بكل الالتزامات التي قد تقدمها إلى اليونان؟ والجواب أن ذلك ليس مضمونا. فوزير مالية قبرص طلب من موسكو في آذار 2013 ملياري أورو لتلافي الوقوع في المطالب الأوروبية. لكنه لم يلقَ تجاوباً. علماً أن روسيا في حينه كانت تعوم على أموال النفط. والسؤال الثاني هو: هل تستطيع روسيا الوفاء بالالتزامات؟ والجواب هو أن حل مشكلة اليونان ليس بحصولها على ملياري أورو. فروسيا، ورغم مشكلتها المالية الناجمة عن انخفاض سعر النفط، تستطيع تأمينهما إذا قرّرت استعمال اليونان لتوسيع نفوذها الجيوبوليتيكي في أوروبا، وخصوصاً بعدما آذى توسُّعها في أوكرانيا علاقتها معها ومع أميركا. لكن ضعف اليونان يكمن في حاجة نظامها المصرفي إلى “سدّ” داعم. وأوروبا وحدها تستطيع إقامته. والسؤال الثالث هو: ماذا سيقول اليونانيون وماذا سيكون موقفهم؟ والجواب، في رأي الباحثين أنفسهم، هو أن ما توقّعه ناخبو “سيريزا” لم يكن الانخراط في “كوميكون” روسي جديد يتزعّمه بوتين. وربما يعبِّرون عن ذلك، في حال علموا وغيرهم أن أموالهم في مصارف بلادهم صارت بكفالة روسيا، بالغضب وبالإسراع لسحب مدَّخراتهم. ويعني ذلك أن تحالف “سيريزا” الحكومي الشعبوي قد يعرِّض الاستقرار الداخلي السياسي والاقتصادي والمالي والأمني للخطر جرّاء اقتناعه بالقدرة على اللعب بورقة روسيا، وتجاهله أن دولته تقع في زاوية “مكشوفة” في أوروبا. فهي قريبة لسوريا المتقاتلة ولليبيا. وإلى جانبها جارٌ لا تزال تخشاه هو تركيا. ذلك كله يجعل احتمال ترك اليونانيين “سيريزا” يغامر بهم وبمستقبلهم، بالتخلي عن حلف دولي واسع وكبير لمصلحة حلف آخر تقوده دولة تتهالك اقتصادياً وعسكرياً ونفطياً رغم غناها الواسع، احتمالاً ضعيفاً.
ماذا عن الذين يقولون إن الصين القوية والغنية قد تكون البديل من روسيا ليونان “سيريزا” في مواجهة أوروبا والغرب؟
هذه الفكرة، يجيب الباحثون أنفسهم، طرحها بعض اليونانيين عام 2010 أي بعد اندلاع الأزمة الكبرى. لكن لم يأخذها أحد على محمل الجد. ذلك أن بيجينغ تريد موجودات وأصولاً ثابتة (Hard) وليس سندات ضعيفة. فضلاً عن أنها استثمرت في مرفأ بيريوس اليوناني، ومن القرارات الأولى التي اتخذتها حكومة تسيبراس قرار العودة عن خصخصة قسم من المرفأ الذي استثمرت الصين فيه، وكانت تنوي أن تستفيد مباشرة من خصخصته.