مأزق مفاجئ

لم يعرف جيمس الذي ولد وعاش وترعرع في منطقة هضاب ولاية أيداهو الجميلة شيئاً عن النفوط غير التقليدية مثل النفط الصخري والصخر النفطي والنفط الرملي الثقيل جداً، قبل أن ينتقل من مسقط رأسه الجميل إلى ولاية داكوتا الشمالية ذات الأرض المسطحة التي تشبه الصحراء القاحلة لولا غطاؤها الثلجي شتاء، وسنابل القمح والشعير في فصل الخريف.

كل الذي يعرفه جيمس وأصدقاؤه تشارلز وأندرو وديفيد أن فرص العمل متوافرة، ومستوى الأجور مرتفعة للنجارين والطباخين والحدادين وسائقي المعدات الثقيلة وغيرهم من المهنيين أو حتى العمالة المعتادة القليلة التدريب.

وحينما كان متوسط سعر برميل النفط التقليدي المعتاد يتراوح بين 95 و130 دولاراً أميركياً بدأت شركات معروفة ومنشآت أخرى تم استحداثها طرح أسهمها للاكتتاب العام، وأصدرت سندات التمويل بعائدات كبيرة.

ومن هذه المنشآت من تخصصت في إنتاج النفوط الجديدة والغاز، ومنها من تخصصت في بناء المساكن للأعداد الكبيرة الوافدة أو توريد الأغذية وتقديم خدمات النقل وهلمّ جراً.

وفي الربع الأخير من عام 2014 بدأت أسعار النفط القديم المعتاد المألوف بالانحدار بسرعة وبنسب كبيرة تجاوزت 45 في المئة للدول التي تدفع بالدولار الأميركي، وليس بالنسبة إلى الدول التي تشتري الدولار الأميركي الذي تصاعدت قيمته لتفي بسعر ما تشتريه من النفط. وبالنسبة إلى الشركات التي استثمرت وبنت البنية الكاملة لاستخراج النفوط غير التقليدية المستحدث استخراج نفطها وغازها، فهي قد تستمر في نشاطها، لأنه تم تحمل تكاليف إنتاجها في فترة ماضية ولا يكلف استمرار إنتاجها كثيراً. فما صار في الماضي فات، وما فات مات، كما يروى عن قس بن ساعدة.

والإشكال الذي واجه جيمس وأصدقاؤه وأمثالهم من كل الولايات الأميركية أن النمو في الاستثمار في منشآت جديدة، وفي تمويل قطع الغيار وتحديث منشآت سبق إنتاجها، توقف تماماً.

جفت قنوات التمويل والاستثمار، فتناقصت أجور العاملين في أحسن الأحوال، وفقد الكثيرون مصدر معيشتهم في أسوأها.

فصناعة استخراج النفط، أياً كان نوعه، صناعة معقدة، وحمل تمويلها ثقيل يصعب في كل الأحيان وربما يتعذر خلال فترات اضطرابات الأسعار وهبوطها.

كما أن إنتاج آبار النفوط غير التقليدية ضئيل مقارنة بالمتوسط من آبار النفط التقليدي. ويتناقص بسرعة مذهلة أيضاً مقارنة بالمتوسط من آبار استخراج النفط التقليدي. وحتى لا نضيع بين ثنايا المغالاة المفرطة في وسائل الإعلام والتواصل، فإن مجموع ما يتم إنتاجه في الشهر الأخير من عام 2014 من النفوط غير التقليدية** (3 في المئة) من المجموع الكلي الذي ينتجه العالم أجمع من نفط تقليدي. وإنتاج هذه النسبة الضئيلة استحوذ على نحو 20 في المئة من الاستثمار الكلي على مستوى العالم في الصناعة النفطية. أي أن 3 في المئة من الإنتاج الكلي استحوذت على 20 في المئة من مجموع مبالغ التمويل (الاستثمار)، وهو ما يعني أقل قليلاً من سبعة أضعاف.

وما الأسعار في النظام الرأسمالي إلا إشارات ترشد نشاط المستثمر والمنتج والمشتري والبائع. ولذلك أدى انخفاض أسعار النفط التقليدي إلى انخفاض أسعار أسهم شركات النفط كافة، سواء أسعار أسهم الشركات التي تنتج النفط التقليدي أو التي تخصصت في إنتاج النفوط التقليدية وأهمها النفط الصخري.

والأدهى والأمر بالنسبة إلى الشركات التي تخصصت في شؤون النفوط غير التقليدية، أن ديونها تضاعفت، وتكاليف تمويلها تصاعدت حتى وصلت قيمة مجموع ما سبق أن أصدرته من سندات إلى نحو 20 في المئة من مجموع ما يتم تداوله في أسواق المال من السندات ذات الجودة المتدنية أو «الكحيانة»، كما يصف السعوديون المركبة المتهالكة التي دنا أجلها. ومن المعروف أن السندات الرديئة الجودة هي وسيلة تمويل الشركات التي من المحتمل بدرجة من درجات الاحتمالات إفلاسها.

وموجز الموضوع، أدى ارتفاع أسعار النفط التقليدي المعتاد منذ بضعة سنوات إلى البحث عن بدائل على أمل أن تكون أرخص على المدى الطويل، فأدى ذلك إلى الاستثمار في تذليل صعوبات إنتاج وتوزيع نفوط غير تقليدية مثل النفط الصخري والصخر النفطي، والنفط الرملي، والشديد الكثافة الثقيل جداً، مع أنها كانت نفوطاً معروفة منذ عشرات السنين. وارتفاع تكاليف إنتاجها هو ما منع الاستفادة منها في الماضي.

والأسعار هي أدوات التصحيح. وعندما هبطت أسعار النفط التقليدي المعتاد بسرعة وبنسب عالية، واجهت شركات استخراج النفوط وتمويلها ونقلها صعوبات من حيث لم تحتسب، مثل أي شركات أخرى تنخفض أسعار منتجاتها. وفي نهاية المطاف، سيؤدي انخفاض الأسعار إلى زيادة الطلب وانخفاض المعروض حتى ترتفع الأسعار مرة أخرى وتستقر فتتضاءل المضاربات في أسواق النفط الآجلة.

علي بن طلال الجهني.