التوقعات والأسواق الآجلة

تخضع الأسعار في جميع أنواع الأسواق، سواء آنية أو فورية أو آجلة، لقوانين اقتصادية بحتة. فما يحدد الأسعار في الأسواق الآنية والأسواق الآجلة معاً، هو الكميات المعروضة والكميات المطلوبة آنياً، وما هو متوقع عرضه وما هو متوقع طلبه في المستقبل.

غير أن ما يحدد الأسعار في الأسواق الآجلة هو ما يتوقعه المتداولون بدرجة أكثر من الكميات المطلوبة والكميات المعروضة آنياً.

والأسواق الآجلة تشبه أسواق التأمين، فالأسعار في أسواق التأمين تعتمد على «توقعات» ما يحدث في المستقبل بناءً على ما حدث في الماضي وما يحدث آنياً.

ووسيلة تحديد ما هو «متوقع» في أسواق التأمين كما هي في الأسواق الآجلة تتلخص في توظيف أحد فروع الرياضيات والإحصاء، يسمى بـ «علم الاحتمالات».

فحدوث حادثة واحدة أو أكثر في طريق من الطرق أو في بلد من البلدان ممكن، بل ومحتمل بناءً على تجارب سابقة وحاضرة، لكن العلم يتجاوز ذلك، ويجعل من الممكن حساب «احتمالات» الحوادث إذا أمكنت دراسة سجل الحوادث التي حدثت في سنوات سابقة في هذا الطريق أو ذلك أو هذا البلد أو ذاك.

كيف؟

لا يمكن تحديد هوية الأشخاص الذين سيتعرضون للحوادث، فتحديد اسم شخص معين من المحتمل أن يتعرض لحادثة أمر يستحيل تحقيقه، وكما لا يجهل أحد ممن ألموا بمبادئ علم الاحتمالات، فإن الاحتمال بالنسبة إلى حالة واحدة معينة هو احتمالان فقط لا ثالث لهما، إما 100 في المئة أن يحدث شيء لشخص واحد، أو صفر في المئة إن لم يحدث شيء.

فلا قيمة لعلم الاحتمالات إلا مع وجود حد أدنى من الأعداد، فمثلاً قد يكفي 30 إلى 40 شخصاً، إذا تم اختيارهم عشوائياً ويمثلون من يراد علاجهم، لتحديد احتمالات الإصابة بأذى نتيجة أخذ علاج تجريبي. غير أن تحديد الاحتمالات يكون أكثر دقة كلما زاد العدد.

أما بالنسبة إلى الآلاف ممن يسلكون الطريق، فيسهل تحديد احتمالات الحوادث، فإذا استنتجنا أن 10 في المئة في المتوسط من سالكي الطريق أو من سكان البلدة تعرضوا لحوادث على امتداد سنوات عدة، فبناءً على ذلك إضافة إلى متوسط التكاليف التي سيدفعها من باع خدمات التأمين، يتم تحديد أسعار خدمات التأمين.

ألا يمكن ارتكاب خطأ كبير أو صغير في حساب عدد الضحايا في سنة من السنوات؟

نعم، في سنة من السنوات ممكن، لكنه شبه متعذر في المتوسط لسنوات عدة إذا كان سجل الحوادث دقيقاً، وتمت دراسته بمهنية.

أما إذا كان هناك تغير نوعي سواء إلى الأسوأ أو إلى الأفضل مثل التراخي في عقاب المخالفين على سبيل المثال، فهذه من الاعتبارات التي تغير احتمالات الحوادث، لأنه وفقاً للأحوال تتغير «الاحتمالات».

وما يسميه طلاب علم الاقتصاد بـ «التوقعات» مشتق من علم «الاحتمالات»، أي أن «التوقعات» ما هي إلا تقدير «الاحتمالات».

وهذا لا يعني أن تقدير «الاحتمالات» أمر سهل يقدر عليه كل من ألمّ بأبجديات علم الإحصاء الرياضي، فهناك منشآت تجارية ضخمة تتخصص في التداول في الأسواق الآجلة، فهذه منشأة مختصة في تقدير ما سيتم طلبه أو ما سيتم عرضه في نوع معين من الحبوب في المستقبل، ومنشأة أخرى – بل منشآت – مختصة في تقدير ما سيتم عرضه وما سيتم طلبه من النفط أو بعض مشتقاته في المستقبل، ووفقاً لتقديرات المتنافسين يتم تحديد سعر النفط ومشتقاته في الأسواق الآجلة.

لكن ما يحدث في أسواق النفط الآجلة يؤثر في الأسواق الآنية، لأن الأسعار السائدة في أسواق النفط (أو غيره) الآجلة، تجعل المتداولين يشترون أكثر أو يعزفون عن الشراء وفقاً للأحوال. كما أن الأسواق الآجلة، للنفط خصوصاً، قد تشهد «فقاعات» سعرية، ومثلها الأسواق الآنية، وهو ما سمّاه رئيس البنك المركزي الأميركي سابقاً آلان غرينسبان «التفاؤل المفرط»، وبالنسبة إلى أسواق النفط قد يسود «التفاؤل المفرط» أو «التشاؤم المفرط» وفقاً للأحوال.

وفي الفترة الأخيرة ساد أسواق النفط الآجلة «الاعتدال»، لذلك استقرت نسبياً الأسعار بعد أن تحقق ذوو الشأن من أن الاستثمار في تنمية حقول «النفط الصخري» ليس مجدياً إذا استمر هبوط أسعار النفط إلى أقل من 70 إلى 90 دولاراً للبرميل، وفقاً للظروف الجيولوجية والمكانية لكل حقل من حقول مكامن النفط الصخري.

وبإيجاز تتأثر أسعار الأسواق كافة من آنية ومن آجلة بكميات المعروض وكميات المطلوب آنياً، إضافة إلى «توقعات» ما سيعرض ويطلب في المستقبل. غير أن الأسواق الآجلة تتأثر بدرجات أكبر من الأسواق الآنية بـ «التوقعات». ويوجد مختصون في جميع الأسواق الآجلة يستمدون مصدر رزقهم أو دفع تكاليف نشاطهم من مدى دقتهم في تقدير «التوقعات» بتوظيف علم الاحتمالات.

علي بن طلال الجهني.