ثلاثة خيارات صعبة أمام المركزي الأوروبي في اليونان

مع انتهاء آخر اجتماع لوزراء مالية منطقة اليورو بصورة سلبية، من المنتظر أن تتحول بؤرة الاهتمام نحو استئناف مناقشات فنية بين اليونان وشركائها الأوروبيين. بيد أنه من المحتمل أن تكون أكثر المناقشات حسمًا تلك التي تجري بين صانعي القرار داخل البنك المركزي الأوروبي في إطار اجتماعاتهم الأسبوعية لدراسة حجم «السيولة الطارئة» التي يتعين عليهم توفيرها للبنوك اليونانية وتبعًا لأي شروط.
خلال اجتماعه الأسبوعي الأخير، خضع البنك المركزي الأوروبي لضغوط هائلة لإبقاء اليونان على جهاز التنفس الصناعي. بيد أنه من دون إحراز تقدم فإن هذه المؤسسة النقدية ستواجه مخاطرة الانضمام لعناصر أخرى في إطار الدراما اليونانية الدائرة حاليًا، والتي تتحول عن غير قصد من كونها جزءًا كبيرًا من الحل إلى جزء كبير من المشكلة هناك الآن وفي المستقبل. ومن المنتظر أن يدور قرار البنك المركزي الأوروبي حول واحد من ثلاثة بدائل أساسية:
1 – التظاهر والتمديد.. وتبعًا لهذا الخيار يستمر البنك المركزي الأوروبي، من خلال برنامج مساعدة السيولة الطارئة الجاري تنفيذه بالاعتماد على شبكة البنوك الوطنية التابعة له، في تمديد التمويل الاستثنائي الذي يقدمه لليونان. وسيجري ذلك في ظل التظاهر بأن هذا الإجراء من شأنه مساعدة اليونان على التعامل مع مشكلة السيولة، بدلا من الاعتراف بمشكلة البلاد الحقيقية وعجزها الشديد على الصعيد الاقتصادي ومن حيث قدرتها على الوفاء بديونها. وينطوي هذا الخيار على جانب إيجابي يتمثل في الإبقاء على الخيارات مفتوحة على أمل أن تتمكن اليونان ودائنوها في نهاية الأمر من التوصل لحلول مالية حاسمة. أما الجانب السلبي فيدور حول أن هذا الخيار سيزيد المخاطر المالية لمشكلة لم تبد بشأنها حتى الآن فرصة للتسوية.
2 – وقف الخطر.. وتبعًا لهذا السيناريو فإن البنك المركزي الأوروبي سيتخلى بأسلوب مباشر عن اليونان، حيث سيقرر الحد من أي تمويل إضافي لها، مثيرًا قضايا لا تتعلق بالتشارك في الأعباء فحسب، وإنما ينبه أيضا إلى أن الاستمرار في الدعم الخاص بالسيولة لن تكون له فاعلية من دون إجراءات مصاحبة لتحسين النمو والملاءة المالية. وسيجعل البنك المركزي الأوروبي أي مساعدة إضافية مشروطة بإحراز تقدم على صعيد السياسات المتبعة وحصول اليونان على أموال جديدة من مصادر أخرى، إضافة لخفض الديون. حال الإخفاق في الالتزام بهذه الشروط فإن قرار البنك المركزي الأوروبي من المحتمل أن يؤدي لمزيد من هروب رؤوس الأموال والودائع من اليونان. ومن شأن ذلك، تبعًا لأكثر السيناريوهات واقعية، دفع الحكومة اليونانية لفرض قيود على رأس المال، وإعلان عجزها عن القيام بمدفوعات، واتخاذ خطوات أكثر استبدادية للسيطرة على أي توازنات نقدية عاطلة داخل البلاد. ومن شأن هذه التطورات تفاقم مخاطرة خروج اليونان من منطقة اليورو.
3 – وقف الخطر كجزء من خطة شاملة بديلة.. وتبعًا لهذا السيناريو يرفض البنك المركزي الأوروبي توفير مزيد من دعم السيولة إلى اليونان، بحيث يأتي هذا الرفض كجزء من محاولة لإقرار نقطة توازن ملائمة لكل من منطقة اليورو واليونان. سيحاول البنك المركزي الأوروبي بأقصى درجة ممكنة تقليل مخاطرة انتقال عدوى مشكلات اليونان إلى اقتصادات أخرى عبر توسيع نطاق نوافذه التمويلية لكل من الحكومات والمؤسسات المالية. كما أنه سيؤسس برنامجًا ضخمًا لشراء الأوراق المالية. في تلك الأثناء سيستمر العمل بناءً على نمط ما من الترتيبات الأوروبية المؤقتة الخاصة باليونان، بما في ذلك إمكانية عقد اتفاق ارتباط مع الاتحاد الأوروبي أو حتى البقاء داخل الاتحاد الأوروبي لكن خارج منطقة اليورو، مثلما الحال مع المملكة المتحدة.
من بين الدروس الكبرى التي حملتها السنوات القليلة الماضية أنه بغض النظر عن الحقائق القائمة على الأرض، فإن أحدًا – سواء على الجانب اليوناني أو بين دائني اليونان من المؤسسات الرسمية الوطنية والإقليمية والدولية – لا يأمل في أن يذكره التاريخ بأنه كان السبب وراء أول حالة انسحاب من العملة الأوروبية الموحدة. وعليه، فإن الاحتمال الأكبر أن البنك المركزي الأوروبي سيختار مجددًا الخيار الأول – تمديد مساعدة السيولة الطارئة والتظاهر بأن الأطراف المعنية على وشك التوصل لحل مستديم – وسيقوم البنك بذلك على أمل ألا يواجه طوفانًا من مطالب التمويل الناجمة عن تسارع فرار الودائع من المصارف المركزية.
وربما ينبئ كل هذا عن المأساة الكبرى؛ فعلى امتداد عدة سنوات لم يقدم سوى القليلين – سواء داخل اليونان أو بين شركائها الأوروبيين أو داخل البنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي – على مواجهة التحدي الأبرز، وهو إما اتخاذ إجراءات حاسمة على صعيد السياسات المتبعة أو إعادة ترتيب الساحة بأكملها. بدلا من ذلك، صدر القرار بالمشاركة في حالة من الارتباك الجماعي على أمل حدوث معجزة وظهور حل ما في وقت لاحق.
ومن الصعب التوافق مع مثل هذا الحل، لكن من الصعب أيضا الانتظار حتى ظهور حل.
محمد العريان.