تداعيات رفع أسعار الفوائد الأميركية

ما يجري الآن في الاقتصاد الاميركي واحتمال تداعياته على العالم ليس بالجديد. وما يترقبه الاقتصاديون والمحلّلون الماليون من احتمال ارتفاع أسعار الفوائد الأميركية في القريب لا يرتبط بالتطوّرات الحاصلة والبيانات عن الناتج وأسواق العمل فحسب، انما قد يكون محاولة لاعادة السياسة المالية الاميركية الى مسارها الطبيعي بعد فترة طويلة من التيسير الكمّي وتدنّي أسعار الفوائد حتى أصبحت في مستوى الصفر.

فترة الترقب أثارت مخاوف الاسواق العالمية مما يُسمى «Taper Tantrum»، حيث إنّ خطوة رفع أسعار الفوائد سوف تؤدّي الى نوع من الارتباك في الاسواق المالية العالمية وقد تنعكس سلباً أكثر منها إيجاباً في الاسواق الناشئة.

هذا الأمر رهن بما قالته أخيراً جانيت يلين، رئيسة الفدرالي الاميركي، بعيد اجتماعات صندوق النقد الدولي في واشنطن محاولة تجنّب ما حدث في أيار عام ٢٠١٣ عندما أشار سلفها بن برنانكي الى استعداد الفيديرالي للبدء بعملية تخفيف التيسير الكمي ما دفع المستثمرين الى الهروب من المخاطرة في الاسواق الناشئة وانعكس سلباً على العملات ولا سيما على الروبية الهندية والليرة التركية اللتين انخفضتا الى مستويات قياسية.

لذلك وحسب الكثير من وزراء المالية، فإنّ ما قالته يلين خلف أبواب مغلَقة مُطَمئن وأسعار الفائدة الاميركية اذا ما ارتفعت فسيكون ذلك بطريقة «شفافة ومفهومة».

ورغم التطمينات التي حصلت في واشنطن أخيراً، فإنّ توقعات الاقتصاديين لا توحي بأيّ ارتفاعٍ لأسعار الفوائد قبل أيلول من العام الحالي، والقلق يبقى كبيراً من تكرار ما حدث في منتصف التسعينات عندما ضاقت السياسة النقدية الاميركية وارتفع الدولار الذي ساعد في تفجير الأزمة المالية التي اجتاحت اقتصادات تايلاند وكوريا الجنوبية وروسيا والبرازيل.

وفي إشارة منه الى الثغرات الأمنية الحالية فقد أشار صندوق النقد الدولي الى أنّ الديون قد فاقت الناتج المحلي الاجمالي في كلّ الاسواق الناشئة منذ العام ٢٠٠٧ كذلك فإنّ مديونية الشركات في هذه الاقتصادات محسوبة بالدولار الاميركي وقد تضاعفت ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية حتى بلغت أرقاماً قياسية قُدِرت بنحو ١،٤ تريليون دولار.

لذلك قد تكون الدول الاكثر عرضة هي تلك التي لم تسعَ الى تحسين هيكيلية اقتصاداتها أما التي سعت الى العمل لتحسين هذه الهيكلية فقد تكون معفية من عواقب هكذا عملية- حسب ما قاله ستانلي فيشر نائب رئيس مجلس الاحتياط الفدرالي.

وعلى سبيل المثال لا الحصر يبدو أنّ كوريا الجنوبية والهند أصبحتا بوضعية أفضل بكثير مما كانت عليه في العام ٢٠١٣ كذلك يبدو أنّ اندونيسيا تحسنت كثيراً وهكذا بالنسبة لعدد من الدول الآسيوية التي سعت الى خفض الاقتراض الخارجي وتقليص العجز في الحساب الجاري- لذلك، قد يكون الخروج من عملية التيسير الكمي وتدني أسعار الفوائد أكثر تعقيداً من الدخول فيها.

لذلك نرى أنّ الأمور تتّجه نحو الفدرالي الاميركي وإمكانية رفع الفوائد في حزيران ونتائجها على دول العالم ولا سيما الدول الناشئة والتي تشكل حوالى ٤٠٪ من الاقتصاد العالمي وكيفية تجاوبها مع هكذا ارتفاع. وقد تكون تطمينات يلين غير كافية. غير أنه وكما ذكرنا سابقاً فإنّ دولاً عدّة لم تستطع خلال الفترة السابقة تحسين اقتصاداتها ما يجعل رفع أسعار الفوائد الاميركية نكسة مالية جديدة عليها وخطر تقّلبات عملاتها ما يعني تقويضاً للاقتصاد العالمي.

في المطلق، فإنّ اميركا ومن خلال سياساتها المالية أظهرت أنّ ما يجري حولها ثانوي مقارنة بما يجري في الداخل الاميركي حيث تبقى المؤشرات والأرقام من ناتج محلي ومعدل بطالة وسوق عمل اكبر الدوافع لأيّ تغيير محتمَل في السياسة المالية والنقدية وتبقى تطمينات يلين لدول G20 تطمينات مبدئية وغير كافية وأكثر ما تشير الى عدم قدرة الفدرالي الاميركي على التعامل مع الانكماش الاقتصادي العالمي المنتظَر وأكثر ما يعني أنّ مجلس الاحتياطي الفيديرالي يهدف الى تجنّب مفاجأة تؤدّي الى خضات مالية في الاسواق العالمية- وإذا كان صانعو السياسات النقدية يتوقعون تطبيعاً تدريجاً لأسعار الفوائد يبدو وحسب Lavorgna كبير الاقتصاديين في Deutsche Bank AG أنهم لا يعرفون كيف سيتمّ ذلك- وخبرته مع سياسة مجلس الاحتياط الفيديرالي في العقدين الماضيَين خير دليل على ذلك.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن كيف ستتعامل اوروبا واليابان مع ارتفاع أسعار الفوائد هذه ولا سيما أنهم في خضم عملية التيسير الكمّي والتي تستلزم فوائد قريبة جداً من الصفر- وكيف ستتعاطى اقتصاداتهم مع هذه العملية خصوصاً أنها الاولى منذ عقد من الزمن كذلك يعتمد على توقيت وحجم احتمال تشديد السياسة النقدية- وبالواقع فإنّ النتائج الأولية الحتمية سوف تكون على عائدات السندات الاوروبية واليابانية وتحويل المستثمرين أموالهم الى أسواق السندات الاميركية ما يعني انّ أسعار الفوائد الطويلة الأجل قد تبقى متدنّية في المدى المنظور وبالمعايير التاريخية. وهذا بالفعل ما يتوقعه الخبراء الاقتصاديون الآن وقد لا تكون النتائج المرتقبة على أسعار الذهب كبيرة او جديرة بالاهتمام.

لذلك لم تعد وكما يعتقد الكثيرون عملية رفع أسعار الفوائد الاميركية رهاناً انما أصبحت حقيقية بالنسبة للاقتصاديين والمحلّلين الماليين غير أنّ الرهان الأكبر يبقى في توقيتها وحجمها هي، وقد لا يختلف الكثيرون على التوقيت انما حجم العملية يبقى الأهم كون ذلك سينعكس ليس فقط على الاقتصاد الاميركي من حيث ارتفاع تكاليف الاقتراض ومعدلات الرهن العقاري وانعكاسها زيادة في سعر صرف الدولار مقارنة بالعملات الاخرى، انما سوف يتخطّى ذلك لينعكس على اوروبا واليابان والأسواق الناشئة ما قد يشير الى تباطؤ في الاقتصاد العالمي.

هذه هي الصورة الحالية وتبقى كلمات يلين ولا سيما كلمتها الشهيرة «الصبر» والتي ما برحت تردّدها الشيء الوحيد الأكيد وما برح يردّد ذلك أيضاً وزراء مالية الـ G20 بعد لقائهم بها. لذلك ما تقوله يلين وما يحدّده الفدرالي الأميركي هو الحدث الأهم في اقتصادات العالم اليوم.

 

بروفسور جريتا صعب.