مسارات متباينة في السياسة النقدية العالمية

قد تكون السياسة النقدية العالمية ومسارها اليوم من أهمّ الموضوعات التي تطرّق اليها الخبراء الإقتصاديون في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وقد تكون الآراء على اختلافها بين الخبراء موضع جدل، لا سيما واننا اليوم على وشك تغيير مهم في السياسة النقدية الاميركية بعد فترة طويلة من نمط معيّن فرضَته الأزمة المالية العالمية.

جاءت آراء المحللين للسياسات النقدية العالمية متفاوتة بشكل صارخ لا سيما عندما يكون الهدف الرئيسي تحفيز الاقتصادات ومكافحة التضخّم. على سبيل المثال، جاء كلام بن برنانكي، الرئيس السابق للإحتياطي الفيديرالي مطمئناً، إذ قال إنّ السياسة النقدية تعمل بشكل جيد ولا تحتاج لتغيير جذري.

بينما جاء كلام بروفسور الاقتصاد في ستانفورد جون تايلور مغايراً لأنه طلب من المصارف المركزية اتّباع صيغة محددة في حال قررت رفع أسعار الفوائد أو خفضها. كذلك جاء كلام جيل ماركوس الرئيس السابق للمصرف الاحتياطي لجنوب أفريقيا حيث شدّد على وجوب تنسيق سياسات اسعار الفوائد من أجل تجنّب آثارها المباشرة وغير المباشرة.

وكما نرى حالياً أنّ السياسات النقدية العالمية هي ولغايته متفاوتة، بينما يعتزم مجلس الاحتياطي الفدرالي رفع أسعار الفائدة هذا العام وسط تحسّن مؤشرات الإقتصاد وسوق العمل الاميركي، نرى أنّ البنك المركزي الاوروبي وعلى العكس بدأ بشَن عمليات شراء السندات مع اسعار فوائد منخفضة يدعمها تراجع في الاقتصاد الاوروبي وتباطؤ في الانتعاش، بينما نرى الاسواق الناشئة مثل جنوب افريقيا وتركيا والبرازيل واقعة بين شقّي حالة التباين هذه.

وعلى ما يبدو أنّ جانيت يلين رئيسة الاحتياط الفيديرالي قالت بالحرف الواحد انّ التركيز يجب ان يكون على الاقتصاد المحلي، وبعبارة أخرى وعلى ما يبدو لا يهمّ يلين ما قد ينتج عن ذلك بالنسبة للاقتصاديات العالمية، وتبقى المؤشرات الاميركية وما يتبع ايّ ارتفاع في اسعار الفوائد عملية بحث داخلية.

لذلك، قد يكون هذا التباين في الآراء حول المسارات المالية والنقدية مدعاة خوف واحتمال ارتفاع اسعار الفوائد في أكبر اقتصاد في العالم قد أدى الى ارتفاع الدولار وبشكل سريع أمام الجنيه واليورو. كما أثار مخاوف في وضعية البلدان التي استدانت بالعملة الاميركية وقد يشلّ حركة الشركات في هذه الدول، لا سيما في البرازيل وتركيا. أضف الى ذلك انّ ايّ ارتفاع في أسعار الفوائد الأميركية يمكن ان يضاف الى هذا الوضع المتفجر، وسينسحب على الاسواق فيؤدي الى انفجار مالي مفاجئ.

والعنصر الآخر الجدير بالذكر هو إمكانية انسحاب ارتفاع الفوائد الاميركية على الاقتصاد البريطاني، اذ انه وعلى رغم عدم وجود علاقة مباشرة بين سلوك مجلس الاحتياطي الفيديرالي الاميركي وبنك انكلترا في ما يختصّ بالسياسة النقدية، فإنّ الصلات بين الاقتصادَين عميقة جداً، وفي الوقت الذي ستبدأ فيه أميركا تطبيع تكاليف الاقتراض ورفع اسعار الفوائد لا بد ان ينعكس ذلك على انكلترا، ولن تكون هذه الأخيرة مكتوفة الأيدي بل على العكس سوف تكون ملتزمة هذه السياسة.

إلّا انه يبقى القول انّ ايّ ارتفاع في اسعار الفوائد إن كان في حزيران المقبل او في مطلع خريف السنة الحالية سوف ينعكس سلباً على مناطق عديدة في العالم، لا سيما الدول الناشئة كما سبق وذكرنا. كذلك، انّ انخفاضاً في اسعار الفوائد مَكّن الحكومات في جميع انحاء العالم من الافراط في الدين فتراكمت الديون بشكل مخيف منذ الازمة المالية العالمية.

لذلك من الطبيعي ان تشكّل ايّ عودة لأسعار الفوائد بمعاييرها التاريخية أزمة ديون كبيرة لهذه الدول. اضف الى ذلك مشاكلها الاقتصادية التي يمكن تلخيصها بالتالي: حكومات غير قادرة على القضاء على العجز، وديون تتزايد بشكل مضطرد، وانخفاض في النمو.

لذلك قد يكون ما حذّر منه بيل غايتس و وارن بوفيت من مخاطر نتيجة ارتفاع اسعار الفوائد يجب أخذه على محمل الجد، لا سيما انّ سنوات من انخفاض اسعار الفوائد عزّزت والى حد بعيد أسواق الاسهم، ما يعني وبالترجمة المالية لهذا الواقع انّ ذلك سوف يجعل من اسعار الاسهم الحالية عالية جداً واتجاه أسواق الاسهم سوف يعتمد والى حد بعيد على أسعار الفائدة هذه. أضف الى ذلك خطر تباطؤ التضخم والانكماش. من دون أن ننسى أنّ «بوفيت» قال انّ انخفاض اسعار الفوائد سوف يؤثر على اسعار العقارات.

هكذا نرى انّ اتجاهات الدول متضاربة وسياساتهم المالية متناقضة، وما تسعى اليه اميركا حالياً لن يساعد اوروبا بالمطلق، كذلك الحال بالنسبة للدول الباقية. لذلك قد تكون العملية عملية بضعة اشهر في احسن الاحوال، وعلى الرغم من تباطؤ نمو الناتج والعمالة خلال الربع الاول الّا انه من المتوقع على الصعيد العام ان يعود الناتج الى النمو بشكل مقبول والفيديرالي حريص على رفع اسعار الفوائد خشية من انّ استمرار انخفاضها ولفترة طويلة يمكن ان يؤدي الى التضخم. واللعبة هذه تشبه الدوامة، وتقارير صندوق النقد الدولي الأخيرة جاءت متباينة الى حد ما.

امّا بلانشارد، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، فيرى انّ المستثمرين ووزراء المالية قد يكونون مستعدين لهذه الصدمة على رغم التحركات الضيقة في العملات والسندات واسعار السلع الاساسية، لا سيما النفط الخام والمعادن.

لذلك، قد يضيف ارتفاع الفوائد عاملاً اضافياً في هذا الوضع المتفجّر، وقد ينسحب ذلك على اسواق الاسهم. وبلانشارد يعتقد انّ تركيا قد تكون الضحية المحتملة في ارتفاع اسعار الفوائد هذه، وقد تعاني من هروب الأموال باتجاه الولايات المتحدة، الّا انه يعتقد انّ تناقض السياسات المالية والمعدلات السلبية في منطقة اليورو قد يؤدي الى هروب الاموال من ايطاليا والنمسا وبلجيكا الى اسطنبول.

وللعلم، لن تكون تركيا هي الوحيدة في هذه التقلبات المحتملة، وقد يكون سيناريو هروب الأموال من اوروبا الى اسطنبول من السيناريوهات المتفائلة نسبياً. انما هذه الامور تبقى افتراضات، علماً انّ احوال السوق والتغيّرات رَهن بعوامل اقتصادية عدة، مع انّ رفع اسعار الفوائد الأميركية، وهو الشيء الأكيد، لن يفاجئ أحد، وكلّ المستثمرين والمستدينين على يقين بوشك حدوثه، وهو الشيء المطمئن الوحيد في خضمّ ما يحصل في الأسواق.

وتبقى الحال هذه حال اسواق السندات التي قد تكون قيمتها overvalued، حسب اعتقاد بوفيت وغيره من الخبراء الماليين لا سيما Bill Gross، وهو أشهر خبير سندات على هذا الكوكب، والذي يعتقد أنّ 35 عاماً من غلاء السندات قاربت على الانتهاء، وعندما ستنتهي هذه الفترة سوف يحدث فوضى ودمار مالي في جميع أنحاء الكوكب.

لذلك، نرى اوروبا مشغولة بعمليات تيسير كمّي لعلّها تفعل فعلها وتعطي نتيجة والدول الناشئة بحالة ترقّب، وأميركا تقرأ وبعناية المؤشرات الاقتصادية الداخلية من دون الأخذ بعين الاعتبار احتمالات ترددات في الاسواق العالمية.

وربما تنتظر يلين بيانات البطالة وإنفاق المستهلكين، وقد تقدّر انّ الولايات المتحدة ما تزال ضعيفة لا تحتمل زيادة في اسعار الفوائد، ما يعني ارتياحاً لدى العديد من دول العالم علماً انّ كل المؤشرات تشير الى حتمية زيادة هذه الاسعار، كذلك حتمية اضطرابات مالية عالمية، وكلها جاءت نتيجة سياسات نقدية متفاوتة.

بروفسور  غريتا صعب.