عملة الـ”بيتكوين” الافتراضية:نمو في البنية التحتية بعيداً من الضوضاء

بعد الضجة الإعلامية الكبيرة التي أحدثها الصعود المستمر لسعر صرف عملة الـ”بيتكوين” عند مطلع عام 2014، توارت العملة نسبياً عن الأنظار وهبطَ سعرها قليلاً، لكنَّ النظام المالي والتقني للعملة استمرَّ بالنمو والتطور مع صعود كبير في كمية الإستثمارات المتدفقة لبناء البنية التحتية للعملة ولتسهيل التعامل فيها، ورافقه طرح أسئلة كثيرة عن مستقبل وسائل الدفع وتقنيات تحويل الأموال.

بدأ الـ”بيتكوين” في كانون الثاني 2009 كتجربة لعملة رقمية موزعة على شبكة الإنترنت، بلا مركز لإصدارها وبلا حاجة إلى وسيط لتسيير التعامل بها. في البدء، كانَ التعامل بها يقتصرُ على هواة الحاسوب والبرمجة الذين حسنوا البرنامج الرقمي لها وأشرفوا على نموها. وفي تشرين الأول 2010، تمت أول عملية شراء لسلعة حقيقية مقابل الـ”بيتكوين”، إذ استعملها شخص لشراء فطيرتين من البيتزا. وكانَ سعر صرف الـ”بيتكوين” في تلك البيعة $0.00076، أي أقل من 10 سنت أميركي.

مع الوقت، زادَ الطلب على العملة خلال السنوات الأربع الماضية لدرجة أنَّ سعرها وصل اليوم إلى نحو $235، أي نحو 300,000 ألف، ضعف أول سعر لها. هذا الإرتفاع لا يعكسُ فقط زيادة الطلب عليها، بل أيضا كون العملة محدودة الكمية لا يمكن لأي طرف أن يزيد من كميتها. على عكس كل العملات الأخرى التي تستطيع البنوك المركزية أن تزيد كميتها كما تشاء، ما يؤدي إلى هبوط قيمتها الشرائية.
مع أنَّ العملة لم تصل الى درجة الإنتشار الواسع الذي سيتطلب وقتا كبيراً لنمو المعرفة بها، بدأت تجذب الكثير من الاستثمارات التي تقدرها شركة كوينبيس(Coinbase) بـ$676 مليون دولار، كان $229 مليون منها منح في الربع الأول من السّنة الجارية، مع الإشارة إلى أنَّ معظم الإستثمارات تتركز حالياً في شركات تسهل للأفراد والمؤسسات المعاملات النقدية عبر تسخير تقنية البيتكوين للدفع الفوري بكلفة قليلة.

بعيداً عن الصخب الإعلامي الذي يرافق تحركات سعر الـ”بيتكوين”، تشكّل تقنية نقل المال أكثر ما يميز هذه العملة، إذ إنها تمكّن مستخدميها من إرسال المبالغ بشكل شبه فوري لأي مستخدم آخر حول العالم وبكلفة متناهية الصغر. هذه التقنية طرحت أسئلة كثيرة ومهمة عن التقنيات الحالية لدفع الأموال وتحويلها، والتي لا تزال تكلف الكثير من المال وتستغرق الكثير من الوقت وتتعرض لأخطار الاختلاس والسرقة.
في السّياق عينه، أصبحت المصارف والمؤسسات المالية العالمية الكبرى ترى خطراً على أرباحها واستمراريتها من التقنيات الحديثة، ويرى الكثير من المحللين أنَّ مستقبل الأنظمة المالية لن يتحدد في “وول ستريت” والمراكز المالية التقليدية، بل في “سيليكون فالي” ومراكز الإبداع التقني العالمي. وقد كتب الرئيس التنفيذي لـ JP MORGAN جايمي دايمون في رسالته الأخيرة لمساهمي شركته، عن الخطر الآتي من “سيليكون فالي”، إذ يرى دايمون الكثير من الشركات الناشئة تعمل على تطوير تقنيات دفع واقراض جديدة, مؤكدا على أنه مصمم على ان يبقي مصرفه في طليعة التقنيات المصرفية الحديثة، وأن يحافظ على نصيبه الكبير في هذه السوق.

ولكن على عكس دايمون، فانَّ الكثير من مخضرمي المصارف التقليدية بدأوا النزوح من هذه المصارف الى شركات تقنية حديثة تعمل في مجال الـ”بيتكوين”، قد يكون أبرز هذه الأسماء Blythe Masters التي كانت ترأس head of global commodities at JP Morgan Chase & Co> التي تركت منصبها في JP Morgan لتصبح المدير التنفيذي لشركة Digital Assets Holding LLC التي تهدف إلى أن تيني البنية التحتية التي ستمكن المؤسسات المالية من الاتجار بالعملات والأصول الرقمية.Paul Camp, , managing directorمدير أنظمة المعاملاتhead of JP Morgan Chase’s global transaction services business ترك هذا المنصب ليصبح الCFO لشركة Circle Internet Financial التي تسعى لتسيير المعاملات عبر الـ”بيتكوين”. كما أنDaniel Masters الذي كان أيضا في يعمل في JP Morgan افتتح أول Regulated Bitcoin Hedge Fund متخصصة بالبيتكوين وهي GABI – Global Advisors BitcoinInvestment Fund. 

أخيراً، ما يفسر هذا الانتقال في رأس المال المادي والبشري لشركات عاملة في مجال الـ”بيتكوين”، هو أنَّ هذه العملة تتيح إمكان تطور تقنيات جديدة للدفع لا تحتاج إلى وساطة طرف ثالث. فالمؤسسات المالية القائمة حالياً تعتمدُ لمدخولها على الوساطة المالية، والنظام الحالي قائم على تعدد المؤسسات الوسيطة تريكة السنين الماضية التي كانت فيها وسائل الاتصال مكلفة، تستدعي وجود الكثير من الوسطاء.
أما اليوم، فإنَّ انتشار وسائل الإتصال الحديثة أصبحَت تتيحُ المجال لخفض كلفة ومدة الوساطة، ما سيعطي أفضلية قوية لوسائل الدفع والإتصال التي لا تعتمدُ على الوساطة، على رأسها الـ”بيتكوين”، كونه وسيلة دفع لا تحتاج إلى الوساطة.
إنَّ رواد التقنية الحديثة يرون في الأنظمة المالية والمصرفية دينصورات متحجرة لم تعتد على التنافس والتطور، وآن أوان ايجاد حلول تقنية رخيصة وسريعة للمستهلك تغنيه عن تكبد تكاليف كبيرة في التعامل مع مصارف القرون الماضية.

سيف الدين عموص. استاذ في الاقتصاد.