ايجابيات وسلبيات خروج بريطانيا

حتى في أحسن الأوقات بدت بريطانيا دائما شبه منفصلة عن الاتحاد الاوروبي، ودائماً ما أظهرت شكوكها في هذا المشروع. ومن الواضح انها كانت دائما الشريك الصعب. ورغم العوائق اقتنعت بريطانيا في النهاية، بعدما أبدت اوروبا علامات اقتصادية جيدة شجعت من خلالها حكومة المحافظين على الانضمام الى الاتحاد عام ١٩٧٣. ورغم ذلك لم تنضم بريطانيا الى العملة الموحدة ولم تكن يوما عضوا في معاهدة شنغن لجوازات السفر.

هذا «العداء» زاد في السنوات الأخيرة مع وصول مئات الالاف من شرق اوروبا وبشكل مشروع للعثور على عمل ممّا زاد مشاكل بريطانيا واستياء احزابها التي، وعن حق، عارضت ذلك كون الكثير من المنافع والفرص ضاعت من امام البريطانيين.

وأكد الإنتصار الإنتخابي الأخير لكاميرون على إحتمال إنسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بموجب تصويت سوف يحصل في حلول العام ٢٠١٧. مع العلم ان استطلاعات الرأي تشير الى ان اغلبية الناخبين البريطانيين سوف يصوتون لصالح بقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي- ولكن الأمور قد تتغير بسرعة في هذه الفترة خاصة وان السياسة متقلبة وغير جامدة.

يمكن تقييم هذه العملية (Brexit) وهي بحت اقتصادية اذ انها تعني دراسة النمو وفرص العمل والتجارة والهجرة وغيرها من الامور التي، وحسب الكثيرين، سوف تتأثر تلقائيا بأية عملية خروج من الاتحاد الاوروبي اذ انه وحسب دراسة قديمة جرت في العام ٢٠٠٤ فان انعكاسات هذا الخروج سوف يخفض الناتج المحلي بنسبة ٢،٢٥ بالمائة بسبب انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر. ولكن لا يمكن اخذ هذه الدراسة حاليا في الاعتبار سيما وان الاقتصاد العالمي تغيّر بشكل كبير في العقد الماضي.

اما الدراسات الحالية فتظهر ان المملكة المتحدة سوف تخسر ما بين ٦،٣ بالمائة و ٩،٥ بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي على غرار الخسارة الناجمة عن الأزمة المالية العالمية في العام ٢٠٠٨-٢٠٠٩- وهذا يعتبر سيناريو تشاؤميا حيث ان المملكة المتحدة لن تكون قادرة على اجراء مفاوضات تجارية تفضيلية مع الاتحاد الاوروبي. اما السيناريو المتفائل والذي يفترض ان اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاوروبي سوف تبقى سارية المفعول فيحتسب خسارة الناتج على انها ٢،٢ بالمائة.

وهنالك تحليل أكثر دقة لـ Roger Booker في كتابه «Trouble with Europe» والذي يرى فيه ان الاتحاد الاوروبي لا يستحق البقاء فيه من دون اصلاح اساسي- وتقييم ال Brexit في جميع الأحوال يتوجب التطلع الى عوامل اقتصادية ذكرناها، كذلك مفاعيلها ونتائجها وعلى سبيل المثال:

١- التجارة: قد تكون التجارة العامل الأهم في هذا السيناريو لا سيما وان مزايا الاتحاد هو التجارة الحرة بين الدول الأعضاء مما يجعل اسهل وارخص على الشركات البريطانية تصدير السلع الى اوروبا.

٢- الوظائف: حرية تحرك الأشخاص عبر الاتحاد الاوروبي يفتح فرص العمل امام العمال البريطانيين كذلك يسهل نسبيًا على الشركات البريطانية توظيف عمال في دول الاتحاد الأوروبي وحسب Adrian Favell استاذ الاقتصاد في LSE ان تغيير هذا التحرك سوف يردع «الأفضل» من القدوم الى بريطانيا.

٣- القيود: يقول المشككون ان هذه القيود يمكن ان تلغي فرص عمل كبيرة في بريطانيا بما يعني ان الشركات العالمية قد تتجه نحو دول اوروبا حيث التكاليف اقل كذلك سوف يخسر المزارعون البريطانيون مليارات الدولارات من اعانات الاتحاد الاوروبي.

٤- النفوذ: جدير بالذكر ان الـ Brexit سوف يفقد بريطانيا بعض من نفوذها العسكري وقد تكون اقل فعالية في تحالفاتها الدولية لا سيما مع اميركا في حال انفصلت عن الاتحاد.

لذلك قد تكون نتائج الـ Brexit صعبة القياس اذ ان المؤيدين يرون في هذا العمل تحرير بريطانيا من مشاكل الاتحاد الأوروبي وما يعانيه من روتين وتدخل سياسي كذلك تحرّر الشركات التجارية بحيث يصبح في امكانها التعاطي مع بقية العالم بسهولة اكبر.

اما المعارضون لـ Brexit فيعتقدون ان ذلك سوف يربك بريطانيا لا سيما في القطاع التجاري وشركائها التجاريين في الاتحاد (٤٠٠ مليار جنيه استرليني سنويًا) كما ان ذلك سوف يجعل البلاد اقل استقطابًا للاستثمارات الأجنبية.

ومن الحلول التي يمكن ان تتكون لتلافي هذه العقبات امكانية ان تصبح المملكة المتحدة مثل سويسرا بعلاقتها مع الاتحاد الاوروبي او اكثر مثل النروج و ايسلاندا غير انه من المؤكد ان اي استفتاء يعني فترة طويلة من عدم اليقين سواء قبل او بعد هذا الحدث ويمكن ان تخلف الكثير من الاضطرابات السياسة والاقتصادية في بريطانيا بغض النظر عن الاستفتاء نفسه.

هذا وفي استطلاع لرأي العديد من الشركات البريطانية جاءت الآراء متفاوتة إلا انهم اتفقوا على القول ان الخروج من الاتحاد لا يمكن ان يكون دون ضمانات اذ ان السوق الاوروبية يؤمّن لاقتصادهم واعمالهم القدرة على الاستفادة من سوق واسع قد يكون من الصعب الوصول اليه دون وجودهم في الاتحاد لذلك قد يؤدّي ترك اوروبا الى جعل الأمر أكثر صعوبة.

واذا كان الاستفتاء يواجه تحديات إلا انه لا يمكن التنبؤ بنتائج هذه الاستفتاءات والتي قد تكون خطرة في بعض الاحيان وتشكل تحديا كبيرا للناخبين والأحزاب ولبريطانيا بشكل عام. وقد يكون سابقة خطرة لوحدة الاتحاد اذ انه ورغم مشاكل اليونان وغيرها من الدول ما زالت بروكسل ومعها المانيا تحاولان التعاطي مع مشكلة الـ Grexit بشكل جدي لتحاشي الوصول الى نقطة اللاعودة.

لذلك قد لا يكون عمل كاميرون سهلًا لا سيما وانه يريد نوعا من التحرر من الاتحاد وتقييد وصول المهاجرين الى بريطانيا واستفادتهم من نظام الرعاية الصحية لذلك يصر على ان هذه التغييرات تتطلب اعادة هيكلة مؤسسات الاتحاد الاوروبي ومعاهداته وهذا ما تعارضه فرنسا.

هكذا وان كان Brexit او Grexit فالامور لن تكون احسن بالنسبة للوضع الاوروبي بشكل عام ويعني تهديدًا واضحًا لبقاء الاتحاد اذ ان دولًا اخرى ستتبع اذا ما رأت نفسها في مشاكل جديدة و في مواجهة بروكسل والمانيا بالتحديد.

بروفسور غريتا صعب.