تجربة اليونان أثبتت فشل الديمقراطية الإقتصادية

وصف Alexis Tsipras، زعيم، الحزب الحاكم في اليونان، مهمته بالتحول الجذري في المجتمع عبر أوروبا على أساس الأشتراكية الديمقراطية. فالديمقراطية الاقتصادية أو ما يسميها Syriza الأشتراكية هي عنوان سياسة تضع احتياجات الأنسان أولوية وتعتبر الفقر والأذلال شكلا من اشكال العنف السياسي.

ما دام الوضع في اليونان على حاله، فان السؤال المطروح: هل أن الديمقراطية ما زالت سارية المفعول في اوروبا وعلى وجه التحديد في اليونان وقد صوتوا مؤخراً ضد خطة التقشف ونحو اعتماد سياسات تساعد على النمو بدلاً من ان تخفف من ديونها الضخمة.

ولكن المانيا تنظر الى الحالة السياسية في اليونان من الزاوية الأخرى، اذ ان الألمان يعتبرون ان الانتخابات اليونانية وما نتج عنها من معارضة قوية لسياسة التقشف لن تغير شيئاً في مجرى الأحداث مما يعني انه لا يهم لمن صوّت اليونانيون في الانتخابات فأن الدين يجب ان يسدد والتقشف وحسب الالمان هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك.

مما يعني ايضاً وبالحرف الواحد ان اليونان ولكي تكون عضوا في منطقة اليورو عليها ان تتنازل عن الديمقراطية لنصلحة قادة أوروبا السياسيين والاقتصاديين منهم.

وهذا الواقع ليس محصوراً فقط في اليونان انما ينطبق أيضاً على دول أوروبية عدة والتي ستشهد قريباَ انتخابات ترد فيها احتمالات نجاح اليسار المتطرف الذي يرفض القيود المفروضة عليه ويسعى الى تغيير اتجاه الاقتصاد.

ومثالاً على ذلك اسبانيا مع Podemos وفرنسا مع التقدم القوي التي أحرزته Marine Le Pen في آخر استطلاعات للرأي-لذلك قد تكون المشكلة الكبرى هي كون منطقة اليورو مجموعة من الديمقراطيات بينما مركز القرار والسلطة فيها موجود في برلين. لذلك قد تكون أزمة الديون التي تعيشها أوروبا الجنوبية لا تسبب بأزمة مالية فقط انما تتخطاها لتشكل أزمة على الديمقراطيات فيها.

لذلك نرى ان الأزمة اليونانية أثارت مجموعة واسعة من القضايا سيما من ناحية حقوق الدائنين والمدينين وفعالية تدابير التقشف والآثار السياسية لمعاناة اليونانيين، وانعكاس ذلك على الوضع في أوروبا عامة والحاجة الى عملية اصلاح هيكلية سيما وحسب ميركل ان أوروبا تشكل 7 بالمائة من سكان العالم و25 بالمائة من الناتج القومي و50 بالمائة من تكاليفها الاجتماعية.

لذلك قد تكون المسألة الأساسية هي العلاقة بين الدين والديمقراطية وما اذا كانت الديمقراطية التي تطبق حالياً في ألمانيا هي، وبحسب التفسير الواضح، لها المفاعيل نفسها للديمقراطية التي تعيشها اليونان وشعبها.

واذا كان الناخب الالماني يرفض رفضاً قاطعاً ان تعفى اليونان من ديونها ويؤخذ رأيه على محمل الجد ألا أن الناخب اليوناني والذي أعطى رأيه مع فوز حزب Syriza وعلى ما يبدو لن ينفع أبداً في الديمقراطية الأوروبية على أقله.

هكذا نرى ان اليونان لا يحكمها تصويت شعبي ولا حكومة قادرة على حماية مصلحة الشعب انما ونتيجة الافراط في الانفاق وعدم كفاية الحكم في ادارة شؤون المواطنين ومصالحهم نراها محكومة من قبل الترويكا التي تجاهلت ديناميات الديمقراطية لصالح فرض الانضباط في الميزانية وسياسة تقشف.

هكذا نرى ان وضعية اليونان الحالية مع الدائنين تجاوزت رغبات الناخبين اليونانيين الذين ارادوا الغاء سياسة التقشف واعادة هيكلة التمويل و تأمين شروط افضل لمديونيتهم. ونرى ان الدائنين ولاسيما الترويكا والمانيا بالتحديد مصرين على السير بسياسة التقشف ودفع ما يتوجب من الديون ومعاقبة اليونان على سنين من سوء الادارة والاسراف- وعلى ما يبدو فان حلم Syriza الحزب الحاكم لم يأخذ بعين الاعتبار قدرة الدائنين على التحكم بسياسة البلاد الداخلية واعتقدوا ان وصولهم الى الحكم كاف لتغيير قواعد اللعبة. واذا ما ادت الامور الى مواجهة ديمقراطية فمن الطبيعي ان يكون الرابح فيها المانيا كونها عدة وعديداً قادرة على فرض قواعد اللعبة وتغيير مسار الأمور.

وقد لا يكون الموضوع موضوع ديمقراطية فقط، ربما يتعيّن على الالمان كواجب أخلاقي مساعدة اليونان للخروج من أزمتها الحالية علماً ان ما نعهد فيه Varoufakis ضمن ورقته الإصلاحية يبقى غير مقنع ولا يمكن تحقيقه الا على حساب الشعب اليوناني، ولا يمكن لأي دولة من خارج الاتحاد الاوروبي المساعدة على حل هذه المشكلة او إقناع ألمانيا بوجوب التخلي عن سياستها هذه. وعلى سبيل المثال هل يمكن لأميركا ان تقترح إعفاء مثل هذا لو كان على حساب دافعي الضرائب في اميركا مثلا.

لذلك، الناخبون في اي بلد لهم الحق في اختيار النظام الاقتصادي الذين يريدونه شرط ان يتحملوا الكلفة. اما اذا ما اختاروا الاقتراض من المؤسسات الدولية فيجب ان نتوقع ان يفرض الدائنون شروط عليهم.

معظم خبراء الاقتصاد يعتقدون ان حجم الديون اليونانية غير قابلة للتسديد، وقد يكون أفضل حل الخروج من اليورو. والفشل الاقتصادي ليس سوى جانب واحد من العملة، ومنطقة اليورو تنزلق تدريجياً نحو تغطية نظام استبدادي مركزي في برلين خلق سياقا من التدهور الشديد في الأنظمة الديمقراطية الاخرى للدول الأعضاء. والأمور قد تسير نحو الأسوأ اذ اما خرجت اليونان من منطقة اليورو خلال الأسابيع والأشهر القادمة.

وهنالك العديد من الأشياء التي يمكن ان تحدث وقد يعني خروج اليونان بداية حلقة انهيار منطقة اليورو وباب أزمة عالمية جديدة تكون ضحيتها الاولى المصارف الاوروبية التي اقرضت اليونان دون حساب، وقد تكون اخطر النتائج تجاهل مبادئ الديمقراطية التي سعت اوروبا الى تجسيدها.

ويعتبر نجاح Alexis Tsipras في انتخابات ٢٥ كانون الثاني قد أدّى الى أزمة سياسية كبرى هي الاولى منذ نشوء منطقة اليورو قبل خمسة عشر عاماً ولن تكون كما يعتقد البعض ازمة اليونان وحدها انما ازمة مبادىء وممارسات ديمقراطية من المفترض ان يؤمنها المشروع الاوروبي بعد الحرب بدلاً من معاناة الاملاءات الالمانية المفروضة.

والواقع الملموس لغايته هو مواجهة حقيقية بين إرادة شعب قرر التخلص من شروط استبدادية فرضتها ألمانيا وأرادت من خلالها وبالفعل رد اليونان واقتصاده الى شيء من العقول. لذلك لا بد من القول ان الديمقراطيات لن تكون صالحة وسط تخبط اقتصادي ومالي للعديد من دول المنطقة.
يبقى السؤال : هل فكرة اوروبا موحدة وعملة واحدة عززت التعامل مع العولمة؟ الجواب هو على العكس، فشلت اوروبا فشلاً ذريعا.

واعتماد السياسات الليبرالية في مواجهة الأزمة المالية العالمية تسببت في التراجع الاقتصادي والمالي في منطقة اليورو مقارنة بسائر المناطق على الكوكب. لذلك تبقى ديمقراطيات اوروبا مجموعة قوانين تسنّها بروكسل وبرلين ضاربة بعرض الحائط نظم الديمقراطيات كلها.