الفائدة السالبة مستحيلة نظرياً ومطبقة فعلياً

نظرياً لا يمكن لأسعار الفائدة أن تكون سالبة، لأن الناس ببساطة ستسحب أموالها من المصارف، فلا يعقل أن تدخر مبلغ 100 ألف دولار، لتعود وتأخذها بعد فترة زمنية 99 ألف دولار فقط، أي أن المصرف بدلاً من إعطائك فائدة موجبة خصم من مدخراتك. اقتصادياً أيضاً لا يمكن للفائدة أن تنزل تحت مستوى الصفر، ويسمى سعر الفائدة الصفري (الحد الأدنى للفائدة)Zero Lower Bound، وهي النقطة التي يراها الاقتصاديون مصيدة السيولة Liquidity trap بحسب التحليل الكينزي، وفيها يفضل الناس الاحتفاظ بالنقد بدلاً من شراء أية أصول مالية لا تدر أية عوائد لأن الفائدة عليها صفر (لم يخطر ببال كينز بالطبع يومها أن تكون الفائدة سالبة).
واقعياً، وبخلاف السائد والنظري، يشهد العالم اليوم أسعار فائدة بالسالب، حتى إن بعض حواسيب المصارف وقعت في مشكلة مشابهة لحلول الألفية الجديدة قبل 15 عاماً، إذ إن أجهزتها غير مبرمجة لاحتساب فائدة بالسالب، لأن الأمر فعلاً غريب وجديد، وغير منتظر، ولا متوقع.
وإن كانت اليابان بدأت بخفض سعر الفائدة الاسمي لمعدلات سالبة في تسعينات القرن الماضي لفترة قصيرة نتيجة الركود. إلا أن ما حدث خلال الأعوام القليلة الماضية التي أعقبت الأزمة المالية كان غريباً وجديداً، ولا يوجد في نظريات الاقتصاد ودراساته ما يدعمه أو يتنبأ به، ولو على سبيل الافتراض.
فخلال العام الماضي قرر المركزي الأوروبي خفض نسبة فائدة الودائع إلى سالب 0.10 في المئة – وهذا الخفض باتجاه منطقة السالب – كان الأكبر والأكثر أثراً على مستوى العالم. حتى وإن كانت الفائدة السالبة بدأت في زمن ما بعد الأزمة العالمية من المركزي السويدي في 2009، واستمر عليها لليوم (أعلى نسبة  فائدة سالبة حالياً في العالم تسجل في السويد عند 0.85 في المئة). فيما أعقب خطوة الأوروبي كل من الدنمارك وسويسرا، حين خفضتا أسعار الفائدة لمستويات غير مسبوقة عند سالب 0.75 في المئة، إلا أن خطوة هذه البلدان الصغيرة ليس لتعزيز النمو كما هو هدف الأوروبي، وإنما بهدف عدم ارتفاع قيمة عملاتها في مقابل اليورو. فعلياً، ما يحصل في دول العالم الغربي ومعها اليابان بحسب وصف أستاذ الاقتصاد والسياسة في جامعة كاليفورنيا، في بيركلي «باري إيتشن قرين» هو «قابل التوسع النقدي بالتوسع النقدي، وقابل خفض قيمة العملة بخفض قيمة العملة». وهو ما يراه السلوك السائد لكبريات المصارف العالمية، وهو ما يحدث فعلياً على مستوى العالم. بعض المحللين يخفف من وطأة الحدث، ويرى أن سعر الفائدة السالب المقصود هو سعر الفائدة الاسمي وليس الحقيقي، وهو كلام لا يقبل كثيراً، فأرقام التضخم في العالم الغربي كلها قريبة من الصفر، وبالتالي فإن الفائدة الاسمية قريبة أو مساوية تماماً للفائدة الحقيقية طالما معدل التضخم عند الصفر. سعر الفائدة السالب هو عقوبة للمصارف التي تحتفظ بأية أموال لدى المصارف المركزية، وبالتالي فإن المصارف ليس أمامها خيار سوى أن تفرط في الإقراض وتدفع الناس للاقتراض بأية وسيلة. وما لم تستطع فهي بين خيارين: إما أن تتحمل بنفسها كلفة العقوبة المتمثلة في دفع الفائدة السالبة من خزائنها من دون تمريرها للمودعين. والخيار الآخر أن تخصم من ودائع العملاء ما يعادل قيمة الفائدة السالبة. وبحسب بعض الأرقام فإن بعض المصارف قررت اتباع السياسة الأولى، وهو ما يشكل خطراً على المصارف، ويضعف قدرتها المالية بالضغط على هامش أرباحها، وهو ما يجعلها غير راغبة في الإقراض أصلاً.
وبعضها اتبع السياسة الثانية، وهو الخصم من أموال المودعين – حتى ولو بطريقة غير مباشرة برفع تكاليف الإدارة والخدمات التي تقدمها لهم – وهو ما ينذر بهروب هؤلاء المودعين بأموالهم خارج النظام المصرفي كله. ولكن يبقى السؤال، وهو: هل فعلاً أن الرقم صفر هو الحد الأدنى الذي يقبل عنده المودعين بقاء أموالهم في المصارف؟ وإن كان الصفر هو الرقم الحاسم فلماذا لا يسحب المودعون أموالهم حينما تنخفض الفائدة اليوم عن الصفر؟
الإجابة جاءت في تقرير نشرته «وول ستريت غورنال» أخيراً، قالت فيه إن الصفر ليس الرقم الحاسم اليوم، بل إن الناس مستعدة للسماح بفقد 2 إلى 3 في المئة من مدخراتها قبل أن تقدم على حفظ النقود تحت أسرة نومها. والسبب يعود إلى سهولة الصرف الإلكتروني، والمحفظة الذكية، والشيكات، إذ وجدت دراسة أن كلفة حمل النقود السائلة يفوق بـ11 ضعفاً حمل بطاقات ووسائل الدفع الإلكترونية الممغنطة. كما أن كلفة حماية المدخرات من السرقة سيجعل كلفتها تفوق 2 في المئة، ويختم التقرير أن نظام الضرائب والمحاسبة الحديث لا يسمح لغير الأفراد باستبقاء السيولة خارج النظام المصرفي.
والخلاصة، أن ما يقال عن حد الفائدة الصفري الأدنى الذي ساد طوال عقد ونيف من الزمان سرعان ما تبين خطأه، وفي ظل التغيرات العالمية والسياسات المالية التوسعية وغير المسبوقة في العالم من قبل، فإن الحد الأدنى للفائدة الذي يمكن أن يقبله المودعون ليس صفراً بل نزل إلى  سالب 2 وسالب 3، وربما ينزل لأكثر من ذلك. ففي عالم يقوم على الصيرفة والميكنة والحواسيب، لم يعد من المناسب السؤال أصلاً عن الحد الذي سيعود فيه الناس لحفظ أموالهم السائلة تحت مخدات نومهم، فلم يعد ذلك موجوداً سوى في مشاهد أفلام المقاولات السخيفة!
عبدالله بن ربيعان.