الانفراج الاقتصادي الدولي رهن بأزمتَي اليونان وإيران

كان من المفترض انفراج الاجواء الدولية اقتصاديًا والى حد ما أمنيًا في حال التوصل الى اتفاق بين اليونان، والمصرف المركزي الاوروبي، والمفوضية الاوروبية، وصندوق النقد الدولي، على تقسيط قروضها وإيفاء مبلغ 1٫5 مليار أورو لصندوق النقد الدولي.

على صعيد المحادثات بين ايران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن والمانيا، كان متوقعاً انجاز اتفاق على البرنامج النووي الايراني في نهاية شهر حزيران ورفع العقوبات المفروصة على ايران بدءًا من اول تموز 2015، والافراج عن اموال مجمدة لها تقدر بـ150 مليار دولار.
النتيجتان تأخرتا حتى 7 تموز 2015، بالنسبة الى اليونان من اجل معرفة نتائج الاستفتاء الشعبي ورغبة اليونانيين في الاستمرار في منطقة الاوروبية ام لا، وبالنسبة الى إيران لا تزال العراقيل ماثلة لدى الطرفين وتعرض وزير الخارجية الاميركي لحادث ادى الى كسر ساقه وهو يمارس رياضة الدراجات الهوائية. والمواقف الاخيرة للوزيرين الاميركي والايراني باتت متفائلة.
– قروض اليونان من الاتحاد الاوروبي، والمصرف المركزي الاوروبي، وصندوق النقد الدولي تبلغ 330 مليار أورو منها حتى تاريخه 88 مليار أورو توافرت للمصارف اليونانية من المصرف المركزي الاوروبي لتعزيز قدراتها على مواجهة طلبات المودعين.

وجدير بالذكر ان مجمل موجودات المصارف اليونانية حاليًا يساوي 120 مليار أورو .

الامر البالغ الاهمية ان المصارف اليونانية لولا توافر الـ88 مليار أورو من المصرف المركزي الاوروبي كانت اليوم تواجه الافلاس. وتفاديًا لإعلان الافلاس، أقفلت المصارف أبوابها مدة اسبوع مع السماح للمودعين بسحب 60 أورو يوميًا من حساباتهم، وكانت السحوبات قد تجاوزت المليار أورو يوميًا خلال اليومين الأخيرين من الاسبوع المنصرم.
– من اسباب فشل المفاوضات اليونانية مع الاطراف المعنيين ان وزير المال اليوناني تعامل مع موضوع القروض بعنجهية مفرطة وكان يتصرف كأنه استاذ اقتصاد يريد تعليم وزراء المال للاتحاد الاوروبي وأعضاء مجلس ادارة المصرف المركزي الاوروبي، ولم يلتفت الى صندوق النقد الدولي، واعتبر ان اخراج الصندوق من المعادلة أمر ضروري.
نتيجة تصرفات وزير المال اليوناني، أبعد عن المفاوضات خلال الشهر المنصرم، وحل محله رئيس الوزراء وهو مهندس لا يعرف الكثير عن الشؤون الاقتصادية. بكلام آخر، كان على اليونان تجهيز فريق مهني يتمتع بمعارف وخبرات أوسع.
– أبعاد قضية ديون اليونان متنوعة. ففشل المفاوضات في شأنها يمهد لانسحاب اليونان من منطقة الأورو، ومعاناة الاقتصاد اليوناني سنوات من الانكماش، وربما الكساد. وفي المقابل، اوروبا دون اليونان لن تعاني كثيرًا على الصعيد الاقتصادي، فالاقتصاد اليوناني يساوي 2 في المئة فقط من حجم اقتصاد السوق، لكن دين اليونان يفوق بكثير هذه النسبة من مجموع الديون التي وفرت لبلدان اوروبية عدة، منها ايرلندا التي تجاوزت ازمتها، واسبانيا التي بدأت تتجاوز ازمتها، والبرتغال التي تعاني مصاعب. واسبانيا والبرتغال قد تواجهان مصاعب حقيقية في حال انفلات الازمة اليونانية، وعندها قد ينخفض معدل النمو في اوروبا المقدر بـ1٫2 في المئة في 2015 الى 1 في المئة او أقل، وتستمر ازمة البطالة.
قبل الانتقال الى وضع المفاوضات الايرانية مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن والمانيا، ثمة تقويم سريع لمفاوضات اوروبا مع اليونان وفره توماس بيكيتي Thomas Picketty الاقتصادي الفرنسي الذي اشتهر عام 2014 مع اصدار كتابه “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” Capital in the 21st Century الذي بيعت من طبعتيه الفرنسية والانكليزية مليونا نسخة. وهو قال في مقابلة مع “الفايننشال تايمس” نشرت في 27 حزيران الآتي: “ان اخضاع تقويم التطورات الاقتصادية للمعادلات الحسابية لا يوفر الصورة المطلوبة للمستقبل”. وعقَّب على مطالب اليونان بتخفيف وقع ديونها بقوله: “فرنسا والمانيا الغيت ديونهما بعد الحرب العالمية الثانية وتمكنتا من تطوير صناعاتهما على اسس حديثة وبمعونات سخية من الولايات المتحدة”.
* * * 
أما ايران، فوضعها يختلف عن اليونان الى حد بعيد، ونتائج أي فشل في التوصل الى اتفاق بالغة الاهمية على الصعيد الجيوسياسي في منطقة الشرق الاوسط.
العقوبات المفروضة على ايران اسهمت في تأخير صناعة النفط والغاز، وايران كانت تنتج ستة ملايين برميل يوميًا عام 1978 وباتت تنتج اليوم نحو 2٫2 مليوني برميل. انتاج الغاز منحسر عن الحاجات المحلية، علمًا بان ايران تشارك في قسم ملحوظ من حقل الشمال لإنتاج الغاز في قطر التي صارت المصدر الاول للغاز المُسيَّل في العالم، في حين تخلفت ايران عن تطوير منشآت النفط والغاز بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها. وتحوز ايران التي يبلغ عدد سكانها 80 مليون نسمة ويزيد، وفي الاحوال الطبيعية – اي من دون عقوبات ونشاط عادي – الانتاج الاكبر للدخل القومي في منطقة الشرق الاوسط.
وحقق الايرانيون العاملون بنجاح في بلدان الخليج، وخصوصاً في دبي وسلطنة عمان والى حد ما الكويت، ثروات تمكنهم من الاستثمار على نطاق واسع في ايران اذا زال شبح اخطار اخفاق الاتفاق النووي.
ستحتاج ايران الى استثمارات سنوية تفوق الـ120 مليار دولار لترفيع تجهيز منشآت النفط والغاز، وتطوير منشآت البنى التحتية. ولا شك في ان القسم الاعظم من حاجات الاستثمار في تطوير منشآت النفط والغاز سيتوافر من الشركات النفطية العالمية، لكن زيادة انتاج النفط ومضاعفة انتاج الغاز تستوجبان على الاقل سنتين.
المخاوف الاسرائيلية من انتاج قنبلة نووية في ايران مضخمة ولا تستند الى مبررات عقلانية. فايران اعلنت مرارًا وتكرارًا انها لن تنتج الاسلحة النووية بل ستصب جهودها على انتاج الكهرباء من مفاعلات نووية، وهذا ما حققه الروس في ايران من ترميم وترفيع منشآت محطة نووية تمَّ التعاقد عليها عام 1976 بين حكومة الشاه وشركة “سيمنس” الالمانية، وهذه الشركة اعلنت عزوفها عن العمل في المجال النووي قبل سنة وكان الخبراء الروس من تولّى تشغيل محطة بو شهر بطاقة الف ميغاوات منذ سنة.
يحوز الاسرائيليون 80 قنبلة نووية او اكثر، وهم ابتعدوا عن عضوية الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تراجع البرامج النووية للدول الاعضاء، في حين ان ايران هي عضو في هذه الوكالة، وليس ثمة عضو في الكونغرس الاميركي يناقش اسرائيل في طاقاتها النووية، وكأن اسرائيل دولة مسالمة ومحايدة في آن واحد.
اسرائيل تدرك جيدًا ان لدى ايران صواريخ بعيدة المدى يمكن ان تنقل رؤوساً كيميائية قد تسبب خرابًا للبشر يوازي او يفوق، بحسب عدد الرؤوس، الوقع النووي، ومع ذلك، لم تلوّح ايران في أي وقت باللجوء الى استعمال الاسلحة الكيميائية إلا إذا واجهت غارات مكثفة على مواقعها النووية.
الابعاد السياسية لإخفاق الاتفاق النووي مع ايران قد يفوق ما ينتج من فشل المفاوضات مع اليونان.
والمهم ان اتفاقات تنجز مع ايران واليونان تسهم في دفع الاقتصاد العالمي بما يساوي زيادة في الدخل القومي في البلدين على مستوى تريليون دولار، وهذه النتيجة تحقق ارتفاعًا في الدخل الاوروبي بنسبة 1 في المئة وفي دخل بلدان الخليج بنسبة 1-1٫5 في المئة، وكلا الامرين يزيد التفاؤل بالمستقبل وامكاناته.

 

مروان اسكندر.