أزمات إقتصادية بالجملة واليونان بداية

يعيش العالم المعاصر وسط كثافة من المشكلات الاقتصادية والمالية والفساد المنتشر والمتعاظم ما يرفع الاسئلة حول ما إذا كانت هناك ايّ مخارج ممكنة. ويراقب العالم ما يجري في اليونان لمعرفة الاتجاهات التي سوف تُعتمد في هذه المعالجات خصوصاً أنّ اليونان هي السابقة ودول كثيرة أخرى هي اللاحقة…
عندما يجري الحديث عن المشكلات الاقتصادية والمالية فإنّ الموضوع لا ينحصر فقط في اليونان بل يتجاوزها الى دول كثيرة اخرى. وعلى رغم أنّ اسلوب التعامل مع الازمة اليونانية ينبئ بالاتجاهات المستقبلية للتعامل مع الازمات المالية والاقتصادية في الكثير من الدول الاخرى، إذ إنّ العالم يبحث حالياً عن المعالجات الافضل لازمات الدول خصوصاً تلك التي تشكو من دين عام عملاق ومن عجز في الموازنة ونسبة بطالة مرتفعة وتباطؤ النموّ الاقتصادي وتدهور اسعار الاسهم والعملات، وغيرها من المشكلات المعاصرة المنتشرة كالوباء بين مختلف الدول. ولم تنجُ دولة كبرى أو غنية أو قادرة من هذه التعقيدات وبات ذلك التعميم شبه كابوس يقضّ مضاجع أصحاب ومراكز القرار في العالم.

العالم يتموضع مجدّداً على مستوى أسلوب معالجة القضايا المالية والاقتصادية في زمن زاد الانفاق الخاص والعام على درجات مبالغ فيها وقد شجع على ذلك النظام المصرفي العالمي وتجمع الثروات الضخمة بالمليارات بين ايدي حفنة من الناس، تباهى مجلس فوربس بنشر اللوائح بأسماء الاكثر ثراء من بينهم بشكل دوري وسنوي.

وقد يكون انتشار الفساد المالي والاقتصادي العالمي والمتفشي في كلّ من القطاع الخاص والادارات العامة وفي مراكز السلطة والقرار في العالم أحد ابرز الاسباب في ارتفاع حجم الديون العامة في مختلف انحاء العالم. وما المحاولات الحالية لمحاربة الفساد وتبييض الاموال وتمويل الارهاب والتهرب من الضريبة سوى ردات فعل متأخرة.

إنّ الملف اليوناني هو المثال الذي سوف يُحتذى به لمعالجة سلسلة من الازمات المتوقعة في الكثير من الدول والاماكن.
ويجزم البعض أنّ الفساد هو السبب الرئيس للازمات الاقتصادية والمالية الراهنة والمعاصرة ويطالب البعض الآخر في اعادة النظر بالحدود والاحجام المقبولة للثروات الخاصة خصوصاً الفاحشة منها. إذ إنّه في عصر الديون العامة والخاصة العملاقة هناك في المقابل ثروات خاصة عملاقة أيضاً وإذا كان الدين المتعاظم مرفوض وآفته فإنّ الثراء الفاحش هو أيضاً غير مقبول وآفة.

وفيما تعاني الولايات المتحدة الاميركية من الشكوك بكفاية الانتعاش الاقتصادي الذي كلفها تريليونات الدولارات التي ضخت في الاسواق على مدى سنوات عدة وفيما اوروبا تترنّح هي الأخرى على الطريق الذي سلكته الولايات المتحدة ومثلهما اليابان وسلسلة طويلة من الدول، يراقب المحللون ما يجري حالياً في الصين هذه الدولة التي تمكّنت من التقدّم الى المرتبة الثانية كأكبر اقتصاد في العالم والتي ساهمت الى حدٍّ كبير في تحسين وضع الاقتصاد العالمي، ها هي الآن ترزح تحت أزمة كبيرة في بورصات الاسهم التي خسرت 24 في المئة منذ 12 حزيران 2015 والتي يتوقع البعض أن تهبط ايضاً بنسبة 35 في المئة إضافية.

ودفع ذلك نحو 21 شركة صينية كبرى لإبداء استعدادها لضخّ 19,3 مليار دولار لإعادة الاستقرار لسوق الاسهم. إنّ هذا الانهيار في الاسعار يخفي مشكلات اقتصادية ومالية كبرى في الصين ويبدو أنّ الهلع يزداد في اوساط المستثمرين ويترافق ذلك مع ولادة كثيفة لاصحاب الملايين الجدد في الصين خصوصاً وآسيا عموماً.

إنّ العالم بات في بحث مستمرّ عن نظريات اقتصادية ومالية متجدِّدة وحديثة وذلك على رغم أنّ السياسات العالمية الكبرى ترتكز على إهمال الديون العملاقة والتركيز على التحفيز الاقتصادي وزيادة النموّ كبابٍ وحيد لخلق فرص العمل ولإطفاء العجز في الموازنات ولاحقاً الدين العام.

لكنّ الوضع يبعث على مشكلات جانبية أخرى مثل حرب العملات حيث تتناسى الدول على خفض سعر صرف عملاتها لزيادة قدرتها التنافسية في التجارة العالمية التي تمكنها لزيادة صادراتها وتدعيم قطاعها الصناعي ورفع مستوى العملات الصعبة في احتياطياتها من العملات الاجنبية.

ويعاني العالم ايضاً من تقلبات اسعار النفط نتيجة زيادة متعاظمة للانتاج في اطار التنافس على استحواذ اكبر حصة في الاسواق العالمية. وبات الذهب غير ذي جاذبية في اوساط المستثمرين وتقف القطاعات العقارية في منطقة الخطر في شتى انحاء العالم.

هذا العالم الذي تتآكله كثافة الفساد المالي والاقتصادي والاداري والسياسي مع انتشار المنظمات الارهابية المصنَّفة وهو عالم بات يعتمد على الحروب لبيع وترويج الاسلحة تعزيزاً للنموّ الاقتصادي وهو عالم يعتمد على اسواق المخدرات والدعارة ومافيا شركات الادوية. إنّ التحديات كثيرة وصعبة وتبدو مستحيلة وعاصية على المعالجة.

توني رزق.