الغزل بين بوتين وتسيبراس: شيكات روسية بلا رصيد ؟

اللا العالية التي قالها اليونانيون لسياسات التقشف الاوروبية رفعت أسهم رئيس الوزراء اليساري اليكسيس تسيبراس في بلاده. الا أن بلاده هذه قد تدفع ثمنا باهظاً ثمن تمرد مواطنيها إذا قرر زعماء أوروبا معاقبتها. فهل يمكن أن تمد موسكو يد العون الى أثينا؟ أم أن الغزل بين الجانبين لا يعدو محاولات من الجانبين للضغط على أوروبا، خصمهما المشترك؟
الغرب عموماً وأوروبا تحديدا، قلق من أن ترمي اثينا نفسها في احضان موسكو. ولكن بين روسيا واليونان، البلدين اللذين يعدان غالبية أرثوذكسية، علاقات دينية وثقافية وثيقة وقديمة جدا، (وإن يكن تحالف سيريزا الحاكم هو اتحاد 13 تنظيماً ومجموعة يسارية يونانية متنوعة تشمل شيوعيين واشتراكيين وماويين وتروتسكيين وبيئيين ويساريين ديموقراطيين). هذا في التاريخ، أما في الجغرافيا السياسية الراهنة فالتحدي الذي أظهره أعضاء تحالف اليسار الراديكالي خلال حملتهم الانتخابية لحلف شمال الاطلسي واضح جدي، مع أنهم حاولوا تبديد المخاوف من أن يسعى الائتلاف اليساري الراديكالي الى سحب اليونان من هذه المنظمة. أما علاقة بوتين بالاطلسي فهي غنية عن التوصيف. سيد الكرملين يرى أن حلف شمال الاطلسي “قادم الى حدودنا “و”روسيا ستدافع عن نفسها إذا تعرضت للتهديد”.

وفي المقابل، بدأ تسيبراس مناكفة أوروبا منذ اليوم الاول له في الحكم، وصولاً أخيراً الى عرضه الاصلاحات التقشفية التي تسوق لها اوروبا في استفتاء أعاد المفاوضات بين أثينا والدائنين الى نقطة الصفر.
قبل اتصاله بالمستشارة الالمانية أنغيلا ميركل، رأس حربة خطط التقشف في الدول الاوروبية الهشة، بادر تسيبراس الى الاتصال ببوتين الذي أبدى له “دعمه للشعب اليوناني” لتجاوز الصعوبات.
الكرملين قال ان بوتين وتسيبراس بحثا ايضاً ” مسائل عدة مرتبطة بتطوير التعاون الروسي-اليوناني” .
غزل
لعبة “الغزل” بين بوتين وتسيبراس ليست جديدة، وحصاد اليونان من هذا التقارب لم يكن سيئاً، أقله لناحية المكاسب التكتيكية، الا أن لن يوفر اية سيولة تحتاج اليها أثينا، على المدى القريب.
أنا ماتفيفيا، الباحثة في قسم دراسات الحرب في المعهد الملكي في لندن عددت ثلاثة مكاسب لتسيبراس:
أولا- اتفاق الغاز الذي وقع في بطرسبرج ووجه أنبوب “تركيش ستريم” للغار عبر اليونان الى جنوب أوروبا ووسطها والذي يمكن أن يوفر رسوم عبور تتراوح قيمتها بما بين 3 و5 مليارات أورو.كما يمكن أن يؤمن عددا كبيرا من الوظائف.
ثانياً-دعوة بوتين لليونان لتصير العضو السادس في مصرف التنمية الجديد لدول “بريكس”، الذي يمكن أن يشكل بديلا مفيدا لتعاملات أثينا مع صندوق والنقد والاتحاد الاوروبي في المستقبل.
ثالثاً-روسيا وحلفاؤها يشكلون مجموعة أصدقاء بديلين لتسيبراس الواقع بين الدائنين الاوروبيين واليونانيين الغاضبين من أحوالهم الاقتصادية.
الواضح أن روسيا تفيد من مشاكل اليونان.بعد لقاء بوتين وتسيبراس في المنتدى الاقتصادي في بطرسبرج لم يستبعد ناطق روسي درس بلاده أي طلب يوناني للمساعدة.وحتى الان، تصر موسكو على أن أثينا لم تطلب شيئا، فهل يمكن أن تغير رأيها وتطلب مساعدة مالية من موسكو. وإذا طلبت ، ما هي احتمالات تجاوب موسكو؟
المحلل السياسي والعسكري المستقل تيم فوكسلي الذي سبق له أن عمل مع وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية يرى أن موسكو تهدف الى احداث شقاق داخل الاتحاد الاوروبي، أكثر منه تقديم مساعدة لليونان. الا أنه يرى أن الجانبين لم يمانعا في دخول لعبة من الغزل المتبادل. فهذا السيناريو يوفر للجانبين مكاسب تكتيكية بأقل كلفة. فمن خلاله يحاول تسيبراس الضغط على الاتحاد الاوروبي لتسهيل نهاية مواتية لمفاوضات اعادة جدولة الدين، فيما يثير بوتين خوف الاتحاد الاوروبي من استقطاب دولة أوروبية الى الفلك الروسي. وعلى المدى البعيد، ليس مستبعدا أن يكون بوتين يراهن على تشتيت وحدة الاتحاد الاوروبي (بعقده اتفاقا لخط انابيب هنا واتفاقا عسكريا هناك) وهو لن يتوقف عن رصد أية فرصة لتحقيق هدفه في الدول الاكثر هشاشة.
أندرياس مازاريس، الباحث في مؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي يوافق فوكسلي الرأي، مضيفاً أن على أثينا توقيع اتفاق مع شركائها الاوروبيين، ذلك أن الهدف النهائي لروسيا ليس “انقاذ” الاقتصاد اليوناني، وإنما تعزيز موطئ قدم لها في أوروبا.
“ويكيسترات”، وهي شبكة عالمية تعد نحو 2000 خبير ألقت الضوء على العلاقات بين بوتين وتسيبراس وحللت مصالح روسيا في “الانفتاح” الروسي على اليونان، لتخلص الى أن احتمالات تقديم روسيا معونة اقتصادية لليونان ضئيلة جدا. فموسكو تعاني أزمة مالية حادة مع احتياطات قليلة من العملات الاجنبية واستهداف العقوبات الغربية قطاعها المصرفي.