مشروع «ميركل» أوروبي لإنقاذ اليونان

ليست مشكلة اليونان اليوم أنها مديونة، مشكلتها الكبرى أنها شبه مفلسة، وخزانتها خاوية، وهذا ما يغفل عنه بعض المحللين عند حديثهم عن أزمة أثينا الحالية. فالديون التي تشكل 175 في المئة من ناتج البلد الإجمالي ليست حالياً مشكلة أحفاد سقراط، ولكن المشكلة الحقيقية هي كيف يعود الاقتصاد للعمل، ويعيش الناس، وتتكون الأموال، ويأتي بعدها سداد الديون؟

ولذا فإن التصويت هو على خطة إنقاذ طارئة عنوانها التقشف وحزم البطون، أو الخروج من مجموعة اليورو والعودة إلى «الدراخما»، وهما خياران كل منهما أشد مرارة وحموضة من الثاني.

والخيار الثاني، وهو الخروج من اليورو، وربما من الاتحاد كله، أمر ليس باليسير، فالبلد لا يملك فعلياً عملته السابقة «الدراخما»، وحتى فيما لو قام البنك المركزي بطباعتها فستكون قيمتها متدنية جداً، فالبلد لا ينتج شيئاً يطلبه العالم، وليس لديه غير السياحة مصدراً للعملة الصعبة، ولا يمكن أن يعول البلد الفقير على توافد السياح فالظروف الأمنية مع الفقر والبطالة ستحدان كثيراً من قدوم السياح باتجاه بلاد الإغريق.

كما أن هذا الخيار يعني إعلان أثينا إفلاسها، وبالتالي فلا البلد سيعود للتعافي، ولن تسدد الديون للدائنين، وبالتالي فإن كلا الطرفين الدائن والمدين خاسر لو كان خيار أثينا هو الثاني.

الخيار الأول، وهو التقشف وحزم البطون ليس خياراً جيداً أيضاً، فالبلد شبه المفلس تبلغ ديونه الحالية 323 بليون يورو(قروض حكومات وقروض خاصة)، كما تعاني البلد من بطالة تبلغ 25.6 في المئة من إجمالي القوى العاملة، وبالتالي فإن فكرة التقشف تبدو فكرة مجنونة، فلن تستطيع حكومة ألكسيس تسيبراس فعل شيء كثير لسداد المستحق من الديون، ودفع كلفة رفع معدل التوظيف، والتركيز على استعادة النمو تحت فروض التقشف وشروط الدائنين.

السيناريو المطلوب لحل الأزمة فعلياً هو السماح وحذف الديون عن اليونان كلها أو بعضها، وهو الرأي الذي يتزعمه خمسة من كبار الاقتصاديين على رأسهم بروفيسور الاقتصاد الفرنسي توماس بيكتي Thomas Piketty، إذ بعثوا بخطاب لميركل هذا الأسبوع مطالبينها بألا تنسَ تاريخ ألمانيا، ومذكرين إياها بما حصل في مؤتمر لندن الشهير في 1953، حينما أسقطت أثينا 50 في المئة من ديونها على ألمانيا. وهذا السيناريو يجب أن تقوده ألمانيا، بصفتها أكبر الدائنين لليونان، تليها فرنسا بمبالغ بلغت 57.23 و 42.98 بليون يورو على التوالي. ومع اختيار هذا السيناريو، فألمانيا وفرنسا على رغم كونهما أكبر دائنين لأثينا، إلا أنهما يأتيان في المركزين الثامن (ألمانيا)، والسابع (فرنسا)، إذا ما قيس حجم الدين لحجم الناتج المحلي للبلدين (إسبانيا وسلوفينيا ومالطا تأتي في المراكز الثلاثة الأولى حين مقياس حجم ديونهم على اليونان لنواتجهم المحلية).

السيناريو الرابع ليس إسقاط الديون فقط، بل قيام أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا بعمل خطة «مارشال» أوروبية لإنقاذ اليونان، شبيهة بخطة مارشال الأميركية، التي سعت لإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وجاء هذا في تقرير لـ«غاردن» البريطانية نشرته الإثنين الماضي.

الخطة التي تنسب إلى جورج مارشال George Marshall، الذي أصبح في ما بعد وزيراً للدفاع في أميركا، صبت 13 بليون دولار (ما يعادل 150 بليون دولار اليوم)، وكانت ألمانيا هي المستفيد الثاني بحصولها على 1.4 بليون دولار من الدعم الأميركي، وبنسبة بلغت 11 في المئة من إجمالي الدعم المدفوع (كانت بريطانيا المستفيد الأول، إذ حصلت على 15 في المئة من مجمل المبلغ).

وإن كانت خطة «مارشال» الأميركية جاءت لقطع الطريق على موسكو للدخول إلى هذه الدول، التي للتو خرجت محطمة بعد الحرب، إضافة إلى خلق سوق كبيرة للمنتجات الأميركية، فإن خطة أو مشروع «ميركل» سيكون لحفظ دول اليورو قوية ومتماسكة، ويمنع انفراط عقد الوحدة، الذي ربما لا يتوقف على اليونان، بل قد ينتقل إلى دول أخرى في التكتل.

الخلاصة، أن بقاء أثينا ضمن دول اليورو مع خضوعها لكل شروط الدائنين وأولها التقشف، أو خروجها وهو ما قد يفتح الباب لدول أخرى للخروج، كلاهما خيار بطعم العلقم. وربما رأينا – وهو الأقرب- التحول نحو السيناريو الثالث، وهو ما أرجحه شخصياً، وربما كان مزاج «ميركل» عالياً ساعة تقرير مصير اليونان، لنرى الانتقال بقيادتها نحو السيناريو الرابع، وهو أمر لا أرجحه شخصياً، ولكنه يبقى ضمن الاحتمالات الممكنة، والأكيد فقط أن هذا الأسبوع هو أسبوع «ميركل»، التي ختم الاقتصاديون الخمسة رسالتهم لها بالقول: «إن التاريخ سيتذكرك بما تفعلينه هذا الأسبوعHistory will remember) you for your actions this week)». ولا شك بأن العالم ينتظر ما تفعل.

عبدالله بن ربيعان