لي» واليورو

والحديث لا يزال عن رؤية «لي كوان يو» مؤسس دولة سنغافورة، عن التحديات التي ستواجهها الدول الأوروبية الأعضاء في اتحاد عملة «اليورو».

ويرى «لي»، وهو المحامي الذي لم يدرس علم الاقتصاد في أية طريقة منهجية، وإن كان يفكر كما يفكر الاقتصاديون المهنيون، بأن استخدام عملة «اليورو» بمثابة عملة وطنية لـ17 دولة أوروبية من 28 دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي الاقتصادي، أمر محفوف بالصعوبات.

والسيد «لي» يرى ما سبق أن رأته مجموعة من الاقتصاديين المتابعين، وملخصه: يصعب – إن لم يتعذر – استمرار عملة واحدة لـ17 دولة، لكل منها سيادتها. بل إن الأمر أكثر تعقيداً من مجرد السيادة المنفردة لكل عضو من أعضاء الاتحاد النقدي إلى اختلافات جوهرية من حيث التراث الحضاري والتاريخ والعادات الاجتماعية وأهمية أو عدم أهمية تحمل مشاق العمل والإنتاج وعادات الاستهلاك، وهلم جراً. وكل ذلك يوجزه الاقتصاديون باختلاف الكفاءة الإنتاجية لكل دولة من هذه الدول الـ17.

و «لي» لا يجهل الدوافع النبيلة من وراء توحيد العملة لدول سادت بينها منذ بضعة قرون حروب دينية ونزاعات سياسية كانت آخرها الحربان الكونيتان، الأولى والثانية، اللتان أدتا إلى موت وتشريد وإعاقة عشرات الملايين. وعلى سبيل المثال ألمانيا وفرنسا تستخدمان اليورو، وهما تاريخياً بلدان متنافسان، لكل منهما سبق حضاري وعلمي وأدبي وفني، وإن كانت ألمانيا، مكروهة من غالبية بقية الدول الأوروبية، وربما يؤدي استخدام عملة واحدة إلى ترسيخ ما يسود أوروبا بعد تكوين حلف «الناتو»، من سلام واستقرار، فينسي الأجيال الشابة وأجيال المستقبل ما سبق من حروب واعتداءات.

ولكن معضلة عملة اليورو أن لكل دولة من الدول الأعضاء الـ17 سياستها المالية الخاصة بها. والسياسة المالية تعني وسائل ومستويات جمع دخل الدولة، ووسائل ونسبة الإنفاق الحكومي من دخل الحكومة، وطريقة ووسائل توزيع الإنفاق العام. ومن الواضح أن كل دولة من الدول الأعضاء في اتحاد اليورو النقدي وسائل ومستويات مختلفة من الضرائب والرسوم التي يتم تحصيلها، ونسب مختلفة في ما تنفقه كل حكومة من حكومات الدول الأعضاء في الخدمات الصحية العامة ومكافآت المتقاعدين والضمان الاجتماعي والإسكان وهلم جراً.

فتضطر دول كإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وأحياناً فرنسا، إلى الاقتراض لتمويل عجز موازناتها، وهذا يضعف مؤسسات كل منها المصرفية. وذلك بدوره يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى مزيد من ضخ السيولة (أي طبع مزيد من بلايين اليورو). ورفع مستوى المعروض من اليورو يؤدي بدوره إلى انخفاض قيمة اليورو بالنسبة إلى بقية العملات الصعبة كالدولار والين والفرنك الفرنسي والكورونا السويدية والعملة الصينية والليرة الهندية وغيرها.

ومعنى ما تقدم أنه يصعب، بل يتعذر، في نهاية المطاف فصل السياسة المالية التي تطبقها كل دولة لها سيادتها من دول الاتحاد الأوروبي الـ17 والسياسة النقدية الموحدة التي يطبقها البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت.

ثم يتساءل السيد «لي» كيف نجحت الولايات الأميركية الخمسون، التي لكل منها مجلساها التشريعيان (نواب وشيوخ) ومحافظ أو حاكم تنفيذي أو إداري، ومع ذلك لها جميعها عملة واحدة؟

ولا يختلف جوهر إجابة «لي» على سؤاله عما سبق أن ذكرته في مقالة تم نشرها في هذا الحيز بعنوان: «مستقبل اليورو» في (17-1-2013).

«أمكن منذ كانت الولايات الأميركية 13 ولاية، واستمر بعد أن وصل عدد الولايات إلى خمسين، وليس هناك ما يعوق استخدام الدولار الأميركي في جميع الولايات الأميركية في المستقبل، حتى لو تضاعف عددها. ويعود ذلك إلى أنه في الولايات الأميركية لا يوجد إلا وزير خزانة واحد وبنك مركزي واحد، ودستور أميركا الفيديرالي يقضي بتعذر مخالفة ولاية أو ولايات أميركية للقوانين الفيديرالية. فإذا أصدر الكونغرس الفيديرالي في واشنطن تشريعاً له علاقة بالضرائب والرسوم فلا تستطيع ولاية من الولايات التنصل منه.

والسياسة الخارجية واحدة، وقائد جميع القوات المسلحة الأعلى هو الرئيس الأميركي لا محافظو (حكام) الولايات. والاختلاف الذي بين مجموع ما يدفعه سكان ولاية من الولايات للحكومة الفيديرالية وبين ما يأتي الولاية من تدفقات الأموال الفيديرالية ليس له أي اعتبار، وليس من اهتمامات عموم الأميركيين. فالكل أبناء وطن واحد. إذا حصلت نازلة (كارثة طبيعية) في لويزيانا مثلاً فإن غالبية سكان بقية الولايات يعتبرون أن من أوجب واجبات الحكومة المركزية (أو الفيديرالية) مساعدة المتضررين، ولن نسمع من يقول إن الولاية المصابة لا تدفع من الضرائب ما يكفي لمساعدة سكانها».

علي بن طلال الجهني.