لي ” والصين

«يشعر الصينيون، منذ 5 آلاف سنة، بأن الصين ستكون بخير ما دامت قيادة الصين العليا قوية. وهذا الاعتقاد كان ثابتاً قبل استيلاء الحزب الشيوعي بآلاف السنين، ولا يزال ثابتاً في يومنا هذا». هذا ما قاله مؤسس دولة سنغافورة الحديثة لي كوان يو. ثم يضيف السيد لي أن مشكلة الغرب السياسية والثقافية مع الصين تتلخص في أن الغربيين يؤمنون بالفرد، كمقولة: «لكل رجل (بمعنى إنسان، ذكراً كان أم أنثى) واحد صوت واحد»، ولذلك يطالبون الدولة الصينية بالديموقراطية، بمعنى لكل فرد واحد صوت واحد.

ويجزم السيد لي بأن الصين لن تتحول إلى ديموقراطية بالمعنى الغربي. والغربيون، والأميركيون على وجه الخصوص، يؤمنون بأن الدولة لا تنجح من دون «صوت واحد لكل فرد واحد»، ومن ثم تداول السلطة كل بضع سنوات. والصينيون، الذين زاد عددهم على بليون وأربع مئة مليون إنسان، لم يمروا قط خلال تاريخهم الطويل بوجود فكر ولا آلية «لكل فرد واحد صوت واحد»، فالصين بلد ضخم عريق، وسيحاول تحقيق نجاحه بطريقته وبمعتقداته، ولن يستورد الديموقراطية بمعناها الغربي، وإنما سيستورد بشراهة ومثابرة وجلد العلم الغربي البحت.

ويضرب السيد لي مثلاً على أهمية قوة القيادة المركزية، ما حدث في قرية بإقليم من أقاليم الصين في خريف عام 2011، وكان هذا الإقليم وهذه القرية تحديداً مرت بنهضة عمرانية سريعة أغرت المطورين، الذين كانوا يتعاونون مع موظفين حكوميين على أسس تبادل المصالح بأخذ أراضي المزارعين الفقراء للبناء عليها، والتعاون بين المطورين ومن كانوا «يرشونهم» من منسوبي الحزب الشيوعي والحكومة المحليين، أدى إلى أن يفقد المزارعون أراضيهم، فاحتج الفلاحون في البدء تدريجياً بالمئات. وفي آخر شهر من عام 2011 وصل عدد المحتجين إلى نحو 20 ألفاً بعد أن مات فلاح واحد في معتقل الشرطة. انتشر خبر ما حدث في تلك القرية، فبادر رئيس الحزب الشيوعي في ذلك الإقليم (وهو منصب كبير) وأقال أو سجن الموظفين المحليين وأعاد بعض الأراضي، وعوّض من لم تعد له أرضه بصورة مرضية. جاءت القيادة المركزية وانتهت المشكلة.

درجت القيادة المركزية، من قبل مجيء الحزب الشيوعي بعشرات القرون وفي عهدهم الحالي، على توظيف العصا ثم الجزرة لحل الاضطرابات السياسية، فتلقي السلطات المركزية القبض أولاً، من دون إساءة، على المعتقلين، ثم تجد حلاً يرضي الجميع. اقتنع الصينيون، منذ بدء تاريخهم حتى يومنا هذا، بأن وجود سلطة مركزية قوية، هو ما يؤدي إلى الاستقرار ويوفر مستوى أفضل من المعيشة.

إن الصينيين، كما يرى السيد لي المنحدر من أبويين صينيين، وبالطبع يعرف الصين مجتمعاً وحضارة وتاريخاً، من طبيعتهم أنهم لا يثورون ضد قيادتهم إلا إذا ساءت أحوالهم المعيشية إلى درجة انتشار المجاعات.

ويخطئ من يظن، كما يرجح السيد لي، بأن الحزب الشيوعي الصيني والحكومة المركزية، غير قادرين على السيطرة الكاملة على وسائل التواصل الإلكترونية الحديثة، التي يسعى بعض كتابها الى إثارة القلاقل. فالحكومة الصينية تراقب المنظمين وتعرفهم، وفي الوقت ذاته لا تهمل المظالم الحقيقية.

وما تقدم لا يعني أن الصين تتفادى التغيير والتحديث والمشاركة السياسية، فهي تعرف أن ما لا يتغير يموت.

فخطت الصين خطوات كبيرة وسريعة في الإصلاح الاقتصادي، الذي أدى إلى تضاعف قيمة ناتجها الاقتصادي العام أو الكلي كل بضع سنوات وبخطوات أقل حماسة وسرعة، وأجرت أيضاً إصلاحات سياسية.

ففي المجال الاقتصادي، وحتى لو أن نسبة نموها عام 2014، التي تم تقديرها بين 7,6 و7,7 في المئة، والتي صارت أقل مما كانت عليه قبل بضع سنوات، فإن نسبة النمو بأكثر من سبعة في المئة تعتبر نسبة عالية جداً بكل المقاييس. ولو قلنا إن نسبة نموها عام 2014 هو فقط 7,5 في المئة، فإن ذلك يعني أن قيمة ناتجها الاقتصادي الكلي سيكون ضعف ما هو عليه الآن خلال أقل من 10 سنوات.

ومع أن الإصلاح الاقتصادي وتسارع نسبة النمو أفادا الجميع، فإنهما أيضاً أديا إلى ثراء فاحش لنسبة صغيرة من السكان، وكان أشدَّ المتضررين موظفو الحكومة على كل مستوياتها المحلية والإقليمية والمركزية. وهذا ما دفع أعداداً متزايدة إلى مستنقعات الفساد. وانتشر الفساد إلى درجة أن انتشاره هدد استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، ولفت نظر القيادة المركزية، التي سجنت وأعدمت وحاولت رفع مستويات أجور موظفي الدولة.

إما الإصلاح السياسي في بلد بضخامة الصين وتاريخها الذي يمتد 5 آلاف سنة، فأصعب بدرجات مضاعفة من الإصلاح الاقتصادي في بلد يعتقد سكانه، منذ فجر التاريخ، حتى الآن، أن الذي يؤدي إلى استقرارها وصلاح أحوالها المعيشية هو قوة قيادتها المركزية.

علي بن طلال الجهني.