لي” واميركا

درس مؤسس دولة سنغافورة السيد لي. كوان. يو القانون في جامعة كامبردج الشهيرة، وتخرج فيها في عام 1949. وهو متابع لمّاح لشؤون العالم من أميركا غرباً حتى الصين شرقاً، وما بينهما، منذ مستهل الأربعينات من القرن الماضي وحتى قبيل مماته في 23/3/2015.

وفي كتابه، الذي بعثه لي الأخ الصديق الدكتور عبدالرحمن السعيد، «رؤية رجل واحد للعالم» والذي نشر في عام 2013، يقارن لي بين مستقبل الصين ومستقبل أميركا.

ويستهل حديثه بما معناه، ربما تجاوزت القيمة الكلية للإقتصاد الصيني قيمة الاقتصاد الأميركي الكلي، بنسبة كبيرة، بسبب ضخامة عدد مواطني الصين (أقل من 350 مليون أميركي في مقابل 1.4 بليون صيني) ولكنها (أي الصين) لن تتفوق على أميركا في ما يخص قدرات أميركا العلمية والتقنية وتسارع تجددها.

ويعزو لي أسباب تفوق أميركا العلمي والتقني إلى عناصر عدة. لعل أهمها ما يسمّيه لي الحيوية الأميركية، أي أن المجتمع الأميركي دائم الحركة ومعاد للركود على مستوى المنشآت الخاصة وعلى مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع ككل.

وللتدليل على انفراد أميركا بـ «حيوية» مجتمعها التي لا تماثلها «حيوية» أي مجتمع آخر، يعطي لي مثالين، أحدهما صناعة السيارات التي سبق لأميركا التفوق في إنتاج عشرات الملايين سنوياً منها بأنواعها المختلفة منذ مستهل القرن الماضي وحتى أواخر سبعيناته. وبعد أن واجهت صناعة السيارات الأميركية منافسة شديدة من شركات تصنيع السيارات في آسيا خلال الثمانينات والتسعينات وكادت تنهار تماماً، تدخلت الدولة، بعد انتخاب الإدارة الديموقراطية في عام 2008، بشراء الديون المتراكمة، فمكنت شركات صناعة السيارات من الاستثمار في التقنيات الحديثة، فعادت هذه الصناعة الأساسية للإقتصاد الأميركي إلى سابق مجدها.

وفي المثال الآخر، يقارن لي بين بريطانيا وأميركا ويقول، سبق أن اخترع البريطانيون مكائن البخار، ومكائن صناعة النسيج، والمكائن الكهربائية. وفازوا بجوائز «نوبل» كثيرة في العلوم. ولكن القليل من اكتشافات البريطانيين تحولت إلى مشاريع تجارية ناجحة ضخمة داخل الجزر البريطانية. ففي التراث الإنكليزي يحتل الطبيب، والمحامي، والقائد العسكري، أعلى درجات التقدير. أما المكانة الاجتماعية للمبدع تجارياً أو صناعياً، فمحدودة مهما وصل مستوى ثرائه. أما في أميركا فإن زيادة تواضع الخلفية الاجتماعية التي يأتي منها «حديت الثراء» الذي كوّن ثروته في مجال من مجالات الإبداع، تزيد إعجاب الناس بحديث الثراء إلى درجة أقل قليلاً من التقديس.

ولذلك أتت شركة «أبل» بنجاحها المشهود عالمياً وتجارياً مع تواضع خليفة مؤسسها الاجتماعية، وقبلها «الإنترنت» وأخواتها، وبعدها الخريطة الجينية للإنسان.

والأميركيون، على عكس غيرهم، من أوروبيين ويابانيين، يستقبلون سنوياً مئات الآلاف من المهاجرين المؤهلين للعمل في القطاعات التي تحتاج إليهم، وبذلك يتم تجديد شباب المجتمع. أما اليابانيون والأوروبيون فقد يواجهون حرفياً انقراض أممهم، لأن عدد موتاهم أكثر من عدد مواليدهم. وإذا قبلوا بالمهاجرين كأيد عاملة، فإنهم يبقونهم منفصلين غير مساوين للمواطنين الأصليين فيخذلون المبدعين منهم ومن آبائهم.

وهذا ليس ما يحصل في أميركا على وجه الإجمال حتى لو واجه المهاجرون الجدد تفرقة عنصرية موقتة، كما حدث مع أجداد المهاجرين من ألمانيا وقت استقلال أميركا، وكما حدث لمهاجرين آخرين من أرلندا وشرق وجنوب أميركا وغيرهم في ما بعد. ولكن هذه التفرقة سرعان ما تنتهي ولم تمنع قط أولاد المهاجرين أياً كانت جذورهم العرقية في الغالب الأعم من الحصول على المكانة التي تؤهلهم لها قدراتهم ومواهبهم الذاتية لا أعراقهم الأصلية.

أما السبب الثاني لتفوق أميركا فيعود الى التنافس المحموم بين مراكز المعرفة في كل المجالات المنتشرة في جميع مناطق أميركا. فالأجانب ربما سمعوا بجامعات هارفرد و»أم. آي. تي» وييل وبرنستون وجون هوبكنز وكولومبيا في الشرق وعن ستانفورد وبركلي ومعهد كاليفورنيا للتقنية في الغرب، ولكنهم ربما لم يسمعوا بجامعة شيكاغو وميتشيغان في الوسط وتكساس في أقصى جنوب الوسط، وجامعات أخرى كثيرة، منتشرة من أقصى الشمال الغربي وحتى أقصى الجنوب الشرقي، يصل عدد الجامعات المتفوقة بينها، إلى ما لا يقل عن 200 جامعة، تتفوق كل منها على الأقل بتخصص واحد من التخصصات العلمية والهندسية.

وتمنح أميركا سنوياً الجنسية الأميركية لعشرات الآلاف من الطلاب الأجانب المتفوقين من خريجي الجامعات المميزة. وتقدر نسبة الأجانب من القياديين في شركات صناعة المعرفة بتقنياتها المختلفة بنحو 60 في المئة ممن ولدوا أو ولد أحد والديهم خارج أميركا، خصوصاً من آسيا، من أصول صينية وكورية وهندية، وبأعداد أقل من الشرق الأوسط وروسيا وشرق أوروبا وأميركا الجنوبية.