مشكلات أميركا

يتحدث القائد السنغافوري المعروف «لي كوان يو» عن مشكلات أميركا، ويبدأ بالحديث عن الدين الأميركي العام، وهو يرى أن الساسة الأميركيين، على رغم كل ما يبدو بينهم من خلافات، قادرون على إيجاد حل يقلل من مستوى الدين العام تدريجاً. والأرجح أن خطورة حجم الدين الأميركي العام مغالى فيها لأسباب سياسية خارجية، وأهم منها أسباب سياسية داخلية. فارتفاع الكفاءة الإنتاجية للإقتصاد الأميركي إجمالاً ستؤدي إلى استمرار في ارتفاع قيمة الدخل الاقتصادي الكلي الأميركي، بحيث ستصبح نسبة الدين العام من قيمة الاقتصاد الكلي متواضعة محدودة الأضرار، ما دام أن نسبة التضخم بقيت متدنية كما هي عليها منذ (2007).

أما مشكلة التعليم العام في أميركا فيعتبرها «لي» مشكلة مزمنة لا يسهل القضاء عليها، ولكن الدراسات الأخيرة دلّت على أنه إذا تم استثناء أولاد الأسر الفقيرة من عامة الطلاب، فإن الطلاب الذين أتوا من أسر أفضل حالاً، وهم نحو 90 في المئة من مجموع الطلاب الأميركيين، فإن مستوى قدراتهم لا يقل عن مستوى الطلاب الكوريين أو الفنلنديين، وهما دولتان متفوقتان بالنسبة إلى قدرات خريجي تعليمهما العام.

و«لي» يذكر، ما هو معلوم، من أن الجامعات الأميركية القيادية من أفضل جامعات العالم، والتعليم الجامعي وما فوق الجامعي لم يكن قط ولن يكون من مشكلات أميركا.

وماذا عن مشكلة تفاوت الدخول بطريقة محزنة غير مقبولة في مجتمع ثري متقدم كأميركا، وعن مشكلة سوء الخدمات الصحية لذوي الدخول المحدودة؟ ويجيب بأن هناك علاقة مباشرة بين مستوى الدخل ومستوى ونوعية التعليم، وهذا إجمالاً صحيح، أما مشكلة الخدمات الصحية فالأرجح أنها في طريقها إلى لحل.

ثم يذكر «لي» مشكلة تردي البنية التحتية من طرق وموانئ بحرية وجوية وجسور وأنفاق وشبكات نقل القطارات السريعة ووسائل نقل الطاقة الكهربائية وتعميم بنية الألياف المجهرية لنقل المعلومات وأمثالها، ويعرف كل متابع للشأن الأميركي أن البنية التحتية في الولايات الأميركية سيئة، إذا ما تمت مقارنتها بما هو متوافر في غرب أوروبا واليابان وبعض الأقاليم الصينية.

ويرى مراقبون أميركيون لا ارتباط سياسياً حزبياً لهم، أن ما أدى إلى تكوين دين أميركي عام كبير، وما أدى إلى إيقاف الأنفاق لصيانة وتحديث البنية الأميركية التحتية، والتقليل من دعم تعليم الفقراء والعناية الصحية بهم، والتخلي عن إعانة التعليم المهني، هي كارثتا غزو أفغانستان بحجة محاربة الإرهاب، وإن لم تكن الوسيلة الأفضل لمحاربة الإرهاب، كما سيأتي بيانه، ثم الكارثة الأكبر والأعظم، هي غزو العراق لتحقيق أجندة إسرائيلية كانت نتيجتها ولادة أفاعي الإرهاب في منطقة لم تكن لها علاقة بالإرهاب.

والكثيرون من أميركيين ومن غيرهم يتفقون مع السيد «لي» بأنه كان بإمكان أميركا استخدام تقنياتها المتقدمة لإخراج «القاعدة» من كهوفها من دون احتلال بلد تعذر على من هم أخبر من أميركا بأفغانستان – كبريطانيا – احتلاله، فالمشكلة أكبر من احتلال كابل وإخراج حكومة «طالبان» من العاصمة الأفغانية، فصار احتلال أفغانستان مغناطيساً جاذباً بقوة هائلة لكل شاب مسلم محبط يبحث عن عدو يتوهم أنه سبب إحباطه لا ذاته المحبطة المعذبة، فالنتيجة صارت نشر الإرهاب لا تحجيمه.

ثم تبع كارثة غزو أفغانستان غزو العراق الذي كان يحكمه طاغية شرير متعالٍ مستبد جاهل، ولكن لا علاقة للهالك صدام وأبنائه ونظامه من قبل ولا من بعد بالقاعدة والإرهاب باسم الإسلام، ثم تتابعت الكوارث فتم حل الجيش العراقي وتسريح جميع منسوبي الشرطة وحفظ الأمن الداخلي، وتدريجاً سلّم تشيني وولفوتز وبقية حلفاء الليكود الإسرائيلي في أميركا العراق للحرس الثوري الإيراني، حتى وصل نوري المالكي إلى الحكم، فأقصى جميع مكونات الشعب العراقي من غير الحركيين الطائفيين، مما أوجد تربة خصبة لإحياء أشجار الإرهاب التي زرعها «أبو مصعب الزرقاوي»، بمساعدة النظام السوري والنظام الإيراني بحجة محاربة المحتل الأميركي.

وكما أدى غزو أفغانستان إلى خلق مغناطيس جاذب لكل شاب مسلم محبط، أدى غزو العراق وتدمير جميع مؤسساته المهنية في القطاعات العسكرية والأمنية، إلى إيجاد مشكلة إرهابية أكبر وأوسع مما حدث في أفغانستان وفي العراق من بعد غزو أفغانستان ببضع سنوات، فمرت جينة الإرهاب في العراق خلال حكم المالكي للعراق وبشار لسورية بطفرة خبيثة، أدت إلى تكوين مستنقع إرهابي مفجع وجد ملجأ آمناً فوق أرضٍ سورية وعراقية.

وختاماً، ومع أن غزو العراق الذي لم يكن فيه إرهابي واحد، خارج إطار إرهاب النظام الحاكم للشعب العراقي بكل مكوناته، فإن السبب الأهم لأكبر مشكلات أميركا الاقتصادية، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، هو غزو أميركا للعراق.

علي بن طلال الجهني.