الحرب الاقتصادية بين روسيا وتركيا

بعد إسقاط الطائرة الروسية على الحدود السورية – التركية، ظهرت إلى العلن رغبة روسيا في الرد على هذه العملية. وبالفعل بدأ الرد الروسي عسكرياً وإقتصادياً، إلى أي حدود يُمكن أن تذهب الحرب الاقتصادية بين روسيا وتركيا؟
تتسم العلاقات الروسية – التركية بالتوتّر بشكل عام. ويُخبرنا التاريخ أن هذه العلاقات التي تعود إلى خمسة قرون، مرّت في مراحل توتر وسلام بحسب السلطة الحاكمة في البلدين.

ففي العام 1568 قامت الامبراطورية العثمانية بدعم إحدى دول الإتحاد السوفياتي ذات الأغلبية الإسلامية، مما أدّى إلى صراع كبير بين الأمبراطورتين وإنتهى لمصلحة الروس. وفي القرن الثامن عشر، قامت روسيا بمساعدة الأقليات المسيحية والسلافية في تركيا للثورة ضد الحكم العثماني وتصاعدت وتيرة الأحداث إلى حد التدخل العسكري في العام 1877.

وفي الحرب العالمية الأولى، قامت تركيا بمساندة الحكم النازي وهذا ما أدّى إلى مواجهة عسكرية بين تركيا وروسيا. لكن، وبعد إنتهاء الحرب ونجاح الثورة التركية بقيادة مصطفى كمال، رأى الروس في هذه الثورة ثورة صديقة وقاموا بدعم النظام التركي الجديد بالذهب والسلاح وقد شكّل هذا الدعم عامل نجاح أساسي لهذه الثورة.

وأخذ التوتر منحى تصاعدياً في العلاقات الجديدة بين الدولتين في العام 1936، إثر المفاوضات التي واكبت معاهدة موتنرو والتي أدّت إلى وضع تركيا يدها على مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين كانا مُجردين من السلاح بحسب الاتفاق بين تركيا وروسيا. وعلى الرغم من حياد تركيا في الحرب العالمية الثانية، إعتبرت روسيا أن العلاقات التي تربط تركيا وألمانيا سمحت لألمانيا بتمرير سفنها الحربية عبر هذين المضيقين.

وهذا ما أدّى في العام 1945 إلى إنسحاب روسيا من معاهدة السلم التي تربطها مع تركيا وطلب روسيا إسترداد قسم من شرق تركيا وبالتحديد محافظات قارص، أرتوين، وأرداهان. وإستمر التوتر في حقبة الإتحاد السوفياتي الذي حاول الإشتراك في القوة التي تحمي المضيقيين، لكن تركيا رفضت هذا الأمر وكان ردّها بالإنضمام إلى حلف شمال الأطلسي في العام 1952.

العلاقات الاقتصادية

إن الموقع الإستراتيجي لتركيا بين أوروبا وأسيا جعل من تركيا بلداً مهماً في الشراكة الاقتصادية للعديد من الدول وذلك من منطلق أن موقعها الجغرافي يُقلل من كلفة النقل وبالتالي يجعل من الشركات الموجودة في تركيا أكثر تنافسية ناهيك عن السوق الإستهلاكي الكبير (80 مليون نسمة). هذا الأمر دفع بالروس إلى التقرب إقتصادياً من تركيا على الرغم من التباعد السياسي الكبير على العديد من المواضيع الشرق أوسطية.

ودفع روسيا في هذا الإتجاه عاملان أساسيان: الأول مُتعلق بإستراتيجية روسيا في البحر الأسود والثاني المشاكل التي تعترض تصدير الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا. من هذا المُنطلق، زاد التبادل التجاري بين روسيا وتركيا إلى درجة أصبح معها حجم هذا التبادل 287 مليار دولار أميركي من البضائع المستوردة من روسيا و6 مليار دولار أميركي بضائع مصدرة إلى روسيا من تركيا.

ومن أهم البضائع المصدرة من تركيا إلى روسيا :السيارات، الفواكه الصالحة للأكل، المكسرات، قشور الحمضيات والبطيخ، الآلات النووية… أما الإستيراد التركي من روسيا فيشمل الآلات النووية، المعدات الكهربائية والإلكترونية، السيارات الأخرى من السكك الحديدية والترام، منتجات صيدلانية، لدائن ومشتقاتها، أدوات بصرية، الطائرات والمركبات الفضائية…

يُشكل الإستيراد التركي من روسيا 10% من إجمالي الإستيراد التركي، أما الأستيراد الروسي من تركيا فلا يزيد عن 3% من إجمالي الإستيراد الروسي. وهذا يعني أنه وفي حال توترت العلاقات الإقتصادية، كما بدأت بالظهور، سيكون الضرر على الإقتصاد التركي أكبر خصوصاً مع توقف أكثر من 4.5 مليون سائح روسي من التوجه إلى تركيا.

الحرب الاقتصادية بدأت

مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الطلب إلى مكاتب السفر في روسيا وقف الخدمات السياحية إلى تركيا، يُتوقع أن يشهد القطاع السياحي التركي تراجعاً ملحوظاً خصوصاً أن السواح الروس يُشكّلون أكثر من 12% من مجمل السواح الأجانب إلى تركيا.

هذا الأمر سيحرم تركيا من النقد بشكل كبير في وقت تتراجع قيمة الليرة التركية وذلك منذ مطلع العام الحالي مع زيادة حدّة التراجع الاقتصادي العالمي وتراجع الإستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا. وبدون أدنى شك، سيكون عام 2016 الأسوأ للإقتصاد التركي منذ تسعينات القرن الماضي.

على صعيد الإستثمارات، من المتوقّع أن يتم وقف العمل بـ 30 مشروعا إستثماريا روسيا في تركيا بحجم يزيد عن 500 مليون دولار أميركي. كما أن مشروع أنبوب الغاز بين روسيا وتركيا عبر البحر الأسود والذي كان سيسمح لروسيا بنقل غازها إلى أوروبا عبر تركيا وبلغاريا من دون المرور بأوكرانيا مهدد بشكل جدّي وهذا سيشكل ضربة لتركيا وروسيا في آن.

ويتمّ الحديث في الكواليس الروسية عن تغيير مسار هذا الأنبوب ليمر مباشرة في بلغاريا. لكن السؤال يبقى عن قدرة روسيا على التخلّي عن إلتزاماتها الدولية. إضافة إلى كل هذه المشاريع، هناك عقود بقيمة 20 مليار دولار بين تركيا وروسيا لبناء مفاعل نووي في تركيا لإنتاج الطاقة الكهربائية والذي بدأ العمل به ولكنه مهدد بالوقوف نتيجة التصعيد بين البلدين.

على صعيد أخر، بدأت السلطات الروسية بمنع بواخر القمح الروسية من الذهاب إلى تركيا كما وصادرت وكالة الصحة الروسية أكثر من طن من الأغذية التركية المُرسلة من تركيا إلى روسيا بحجة عدم توافر شروط الصحة إضافة إلى منع سيارات مع لوحات تركية من عبور الحدود الروسية. وعلى هذا الموال، فإن إقتصاد البلدين سيخسر أكثر من 100 مليار دولار أميركي من التبادل التجاري.

إلى متى هذه الحرب؟

لا أحد يعرف مجرى الأمور، لكن تحليل المعطيات يوصلنا إلى أن هناك إصرارا روسيا على السيطرة على سوق الغاز في أوروبا. وهذا الأمر سيتم بالتفاوض أو بالقوة. لذا من المتوقع أن تتراجع تركيا عن مواقفها التصعيدية خصوصاً أن الضرر الاقتصادي سيترافق مع تصعيد عسكري روسي، وأن حلف شمال الأطلسي غير مُستعد لفتح حرب مع قيصر روسيا الذي قد لا يتراجع عن إستخدام النووي إذا ما تمّ جرّه إلى معركة حاسمة.

بروفسور جاسم عجاقة.