المال السهل ومخاطر الإئتمان المُيسّر

حذّر راجان راغورام، رئيس بنك الاحتياطي الهندي، من مخاطر الائتمان الميسّر وانخفاض تكاليف الاقتراض وعواقبه على الاستقرار المالي العالمي، كذلك حَضّ الولايات المتحدة الاميركية على رفع تكلفة الاقراض بغضّ النظر عن الهزّة التي قد تطيح بالأسواق.
يبدو انّ رئيس البنك المركزي الالماني بعث برسالة مماثلة للرسالة الهندية، وأبدى قلقه في شأن هكذا سياسة نقدية. كذلك انتقدَ راجان سياسة التساهُل المتّبعة من قبل الصندوق الدولي، والتي وصفها بالهامشية التي قد تؤدي الى دمار الأسواق الناشئة وخرابها.

وللعِلم، وعلى ما يبدو انّ البنك الدولي يتساهل جداً فيما يخصّ السياسات النقدية القائمة في الدول المتقدمة، وهو منذ الأزمة المالية العالمية يجلس على الهامش ويصفّق لها معتقداً أنّ ما يصحّ في بعض الدول ينطبق ضمناً على العالم أجمع.

هذا هو الخطأ الذي بَرز، والمفارقات كبيرة لا سيما بين الولايات المتحدة واليابان، ومن غير المؤكد إمكانية نجاحه في اوروبا. أضِف الى ذلك انّ اوروبا والمركزي الاوروبي بالتحديد، وبَدلاً من إطلاقهما عملية إصلاح قطاع المصارف من أجل تحفيز اقتصاد منطقة اليورو، بَدا وكأنهما يزيدان المشكلة تعقيداً، مع خفض اسعار الفوائد الى مستويات قياسية وتقديم قروض رخيصة.

الأكيد حتى الآن أنّ النتائج لم تكن مشجعة، لا سيما انه من اجل ٤٠٠ مليار دولار وضَعها المركزي الاوروبي في الاسواق، استهلكت المصارف منها ٨٢,٦ مليار يورو فقط في الشهر الماضي.

كذلك تجنّبت المصارف الاقراض خصوصاً في جنوب اوروبا، والديون المتعثرة ما زالت تتصاعد في بلدان مثل اسبانيا وايطاليا بعد مرور سنوات على انهيار ليمان برازرز- وقد لا يكون الخطأ كله خطأ المصارف اذ انه حتى في الاقتصادات الكبيرة مثل المانيا وفرنسا ما زالت العديد من الشركات تمتنع عن الاقتراض من المصارف،

وما زال المركزي الاوروبي متابعاً لعملية المال السهل في هذه السنة والسنة القادمة، مع العلم انّ فيتش ما زالت تتوقع تباطؤاً مستمراً في نتائج هذه العملية- وجاء الـ (Target Longer-Term refinancing) TLTRO لتحسين الاستقرار المالي وتعزيز الاقراض للشركات من أجل المساعدة في إنعاش اقتصاد القارّة والعودة الى النمو. ولكن هناك مسألتان: نقص رأس المال المصرفي وانعدام الطلب على الاقراض للاستثمار.

وبحسب تحليل ALBERT GALLO من RBS فإنّ تمويل التكاليف ليس بالقضية الاساس. وانحسرت أهمية الـ TLTRO أمام ظهور التيسير الكمّي منذ آذار الماضي، فضلاً عن ضعف اليورو وزيادة أسعار الاصول. كذلك، وحسب فيتش، يتوقّع تحسين اتجاهات الاقراض خلال الاشهر المقبلة إنما أثَر البرنامج الفعلي سيبقى متواضعاً، ما يعني منطقياً أثراً محدوداً على الإئتمان والنمو والتضخم…

لذلك، قد يكون المال أسهل أمر من دون فائدة، لا سيما اذا لم يتم توجيهه بالشكل المناسب وفي القطاعات الضرورية والتي تساعد على زيادة النمو- والخوف قد يكون من انّ المصارف قد تستعمل هذه الاموال السهلة للتخلّص من ديونها لا سيما وانّ هذه القروض ستكون لفترة طويلة جداً وبمبالغ مالية ضخمة وفي فترة نمو اقتصادي بطيء وانكماش ملموس.

وقد تكون المسألة مسألة ثقة، إذ إنه وحتى في ايرلندا، اكثر دول منطقة اليورو نمواً وانتعاشاً، فإنّ اقراض الشركات انخفضت بمعدل ١١,٨ بالمئة في آب الماضي، وهو أسرع انخفاض لها خلال ثلاث سنوات. ووضعية اوروبا تختلف بالواقع عن اميركا، والشركات الصغيرة تعتمد كما ذكرنا سابقاً على المصارف أكثر منها على اسواق المال،

ما يعني انّ الشركات الصغيرة هي شريان الحياة لاقتصاد اوروبا وتعتمد بشكل أكبر من الشركات الكبيرة على الطلب المحلي والاقراض المصرفي، ما يعني انّ ايّ خلل في النظام المصرفي وعدم قدرته على تقديم القروض يؤدي واقعياً الى تعثّر الشركات – لذلك نرى اليوم انّ الاسواق المالية العالمية تواجه مشاكل اقتصادية وغير اقتصادية تتجاوز بصعوبتها تحديات عام ٢٠٠٨. والاسواق المالية والمستثمرون بشكل عام ما زالوا يتجاهلون هذه المخاطر، ويعتمدون بصورة حصرية تقريباً على استمرار الحافز النقدي والمالي السهل.

وقابلَ سياسة خفض حقن السيولة التي بدأها الاحتياطي الفيديرالي تراخي السياسات في اليابان واوروبا والصين- كذلك انّ الاسواق تتجاهل معدلات الفوائد المتدنية والظروف الاقتصادية الضعيفة، ما يعني في الواقع انّ البعض القليل من المشاكل التي حَلّت في العام ٢٠٠٨ وأدّت الى الركود حَلّت في العام ٢٠١٥ والخيارات تبقى محدودة، ما يعني انّ المال السهل الذي توافر منذ العام ٢٠٠٨ لن يُسهم في النمو العالمي – لذلك قد نكون أعطينا المصارف المركزية دوراً أهم من الدور المفروض ان يُعطى للسياسات المالية بشكل عام،

وهذا ما ركّز عليه مصرف التسويات الدولية في موقف أوجَزه في تقريره السنوي للعام ٢٠١٢-٢٠١٣ حين قال انّ المصارف المركزية لن تتمكن من إصلاح ميزانيات الأسَر المعيشية والمؤسسات المالية- كذلك لا يمكن ان تكفل الاستدامة المالية، ولا يمكنها ان تسنّ الاصلاحات الاقتصادية والمالية اللازمة للعودة الى النمو الحقيقي- ودائماً، بحسب مصرف التسويات الدولية، فإنّ كل ما فعلته المصارف المركزية أنها استعارَت الوقت…

تجاه هده الامور ينبغي ان يقوم صندوق النقد الدولي بدور نشيط بالتشكيك في السياسات المالية السهلة أو ما يسمّى تدابير التيسير الكمّي التي اعتمدتها البلدان ذات الاقتصادات المتقدمة بدلاً من الجلوس على الهامش-

وأتت تصريحاته في وقت واصَلَ فيه الاحتياطي الفيديرالي الاميركي تخمينه للبدء بزيادة اسعار الفوائد، كما دعا رجان راغورام الى المزيد من التنسيق بين المصارف المركزية واستخدام أدوات السياسة النقدية في عالم تزداد صورته الانكماشية.

في الواقع هذه العملية يجب ان تستمر، ولا يمكن ان تحصل بين ليلة وضحاها. كذلك يجب على المصارف المركزية البدء بعملية تخمين للمال السهل الذي فشل في اليابان ونجح في اميركا، وتردداته ما زالت غير واضحة في اوروبا.

بروفسور غريتا صعب.