العالم الإقتصادي دولتان: أميركا واليابان

هناك أربعة أنواع بلدان في العالم حسب سيمون كيزنت kuznets الخبير الاقتصادي والحائز على جائزة نوبل وهو يفترض أنها على النحو التالي: المتقدّمة- المتخلّفة -الارجنتين واليابان- واليوم نرى أنّ الصورة مختلفة جزئياً إذ إنّ العالم وعلى ما يبدو يشبه الى حدٍّ بعيد اليابان مع الانخفاض المزمن في أسعار الفوائد والتضخّم ومشكلات الديون السيادية.
يعلم الجميع أنّ الاقتصاد الياباني في ورطة مع تغيّر هيكلية الهرم السكاني وزيادة الديون الى الناتج وبمستويات مخيفة وبورصة لم ترتفع منذ حوالى ٣٠ عاماً. وقد شهدت اليابان نكسات انكماشية في السنوات العشرين الماضية، اثنتان منها منذ تولّي رئيس الوزراء الياباني شينزو أبي مهامه في أواخر العام ٢٠١٢.

هذا وأظهرت بيانات رسمية الاسبوع الفائت انكماشَ الاقتصاد في ثالث أكبر اقتصادات العام بنسبة ٠،٨ في المئة سنوياً بين الفترة ما بين تموز وايلول بعد انكماش بنسبة ٠،٧ بالمئة في الربع السابق ما يجعلها وبعد فصلين متتاليين من الانخفاض تدخل في ما يُسمى اقتصادياً بالركود. وهذه البيانات وحسب المحلّلين تُبرز الحاجة الماسة لإجراء إصلاحات هيكلية تهدف الى اختراق القيود في جانب العرض بما في ذلك نقص اليد العاملة في مجتمع يتجه نحو الشيخوخة السريعة والانكماش منذ اكثر من ١٥ عاماً.

وقد عزا وزير الاقتصاد الياباني اكيرا Amari هذه الوضعية وتقلص الناتج الاجمالي المحلي الى ضعف الصادرات الى الصين والولايات المتحدة بالاضافة الى ضعف انفاق المستهلكين بسبب الأحوال الجوّية. كذلك حذّر صندوق النقد الدولي في تموز ٢٠١٥ اليابان من الاعتماد كثيراً على ضعف الينّ وطالب بالمزيد من الإصلاحات الهيكلية لرفع النموّ وتمكين التعزيز المالي.

كذلك دعا صندوق النقد الدولي لتجديد Abenomics وهي الخطة التي قدّمها رئيس الوزراء الياباني شينزوابي لإنعاش النموّ- بحيث لا تصبح سلبيات السياسات عائقاً امام النموّ والتضخّم- وفي ورقته التي قدّمها المقرض الدولي دعا اليابان الى جولة جديدة من الاصلاحات الهيكلية تركز على العمالة والحدّ من مرونة سوق العمل- كذلك ينبغي مواصلة تحرير قطاع الزراعة والخدمات وتحويل القطاع المالي الى محفّز في الاصلاحات- وللعلم برنامج Abenomics حقق نسب نموّ قصيرة الأجل إنما الحكومة ما زالت تكافح لتحرير سوق العمل وفتح بعض القطاعات المحميّة جداً. ومن المعترَف به عموماً أنّ المشكلات الاقتصادية اليابانية قبل رئاسة أبي تعكس الفشل في التعامل بفعالية مع الأمور إثر انهيار أسعار الأصول في التسعينات.

وللعلم أصبح الانكماش الاقتصادي طبيعة الاقتصاد الياباني وعلى ما يبدو أصبحت اليابان ومع مؤشراتها المتراجعة الأسوء في مجموعة السبع وعلى رغم الجهود الكبيرة التي بذلها شينزوابي يبدو أنّ الاقتصاد الياباني قفز في المجهول لا سيّما وأنّ ديونها تخطّت اية حدود و ما زالت في ازدياد (٢٤٠ بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي ويعتبر أعلى المستويات في العالم).

وقد يكون المخرج الوحيد للمشكلة اليابانية هو زيادة التضخّم وطموحات Abe بوصول التضخّم الى حدود الـ ٤ بالمئة فشلت رغم انخفاض معدّل البطالة وتراجع الينّ وزيادة أسعار الأسهم.

هذا في المطلق إنما ذلك لا يعني أنّ اليابان تخلو من الخيارات على رغم ما تمرّ به حالياً وما تتعرّض له وحسب المعدّل الحالي لشراء السندات الحكومية سترتفع هذه السندات المملوكة من البنك المركزي بنسبة ٢/٣ في العام ٢٠٢٠ ما يعني أنّه وحسب التقديرات سيكون العام ٢٠٢٦ عاماً مهماً إذ إنّ البنك المركزي الياباني سيكون المالك الأكبر لديون الحكومة اليابانية- وهذه الخطة قد تؤدّي الى توليد التضخّم الذي سعت اليه اليابان عبثًا خلال عقدين من الزمن، والبديل الوحيد لذلك ربما يكون أزمة ديون خانقة تترك اليابان مرهَقة ومعرَّضة للعديد من البدائل التي لن تكون لصالح ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

لذلك قد يكون ما ذكره صندوق النقد الدولي في تقريره عن التوقعات الاقتصادية للعامين ٢٠١٥-٢٠١٦ غير دقيق وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن لا سيما وأنه توقّع للنموّ الاقتصادي الياباني أن يزيد بمعدّل ٠،٦ بالمئة بفضل ضعف الينّ وانخفاض أسعار النفط الخام والسلع الأساسية. كذلك عن إمكانية تزايد هذا النمو في العام ٢٠١٦ ليصل الى ١،٢ بالمئة والتي اصبحت بعيدة المنال لا سيما بعد ما شهدته الأرباع الثلاثة الأولى من العام ٢٠١٥.

هذا بصورة عامة وقد لا تختلف اليابان عن اوروبا كثيراً في هذه الوضعية لا سيما وأنّ نسب التضخّم تراجعت في أوروبا كذلك نسب النموّ لم تأتِ كما هو منتظَر وظلّت معدّلات البطالة ثابتة عند ١١ بالمئة وعلى ما يبدو المحاولات التي بذلت ولغاية الآن لن تعفي منطقة اليورو من الدخول في متاهات نسب تضخّم سلبية- وعلى ما يبدو عمليات التيسير الكمّي التي حصلت في اليابان وتحصل في أوروبا لم تساعد ولغايته على تخطّي الفخّ الاقتصادي الانكماشي المستمرّ ويبدو أنّ المنطقتين بحاجة الى اتخاذ تدابير حاسمة للتخلّص من الانكماش – لذلك السؤال الذي يطرح نفسه الآن،

ما هي الأساليب الموجب اتباعها للتخلّص من نسب تضخّم متدنّية علماً أنّ الجواب التقليدي والذي أصبح معروفاً في دول العالم وهو التيسير الكمّي أو المال السهل بدا غير كافٍ ومشكوكاً بأمره إذ إنّ طباعة النقود لا يجب استخدامها لشراء الأصول إنما لشراء الحاجيات بينما وفي الأوقات الطبيعية تبدو هذه العملية غير مسؤولة.

وللتوضيح فإنّ الأوقات الحالية غير عادية وانكماشية والنتيجة قد تكون أنه وبعد مرور سبع سنوات على الأزمة المالية ما تزال السياسة المالية يعوقها الحذر الذي يكبّل الاقتصاد العالمي.

هذه هي وضعية اليابان وهكذا تبدو أوروبا لذلك قد تكون وضعية الاقتصاد العالمي مرهونة لفترات عديدة وقد يكون ما سُمّي العقد الضائع على اليابان ينطبق بحذافيره على أوروبا ولغايته لا توجد سياسات اقتصادية ولا نظريات تساعد في خروج هاتين الكتلتين من وضعيتهما – واذا Kuznets قسم العالم الى أربع فصائل يبقى الأصح تقسيمه الى دولتين «أميركا واليابان».

بروفسور غريتا صعب.