أسعار الفوائد تبشّر بتغييرات جذرية في الأسواق

انتهى عهد سعر الفائدة الصفري وقد تكون ارتفاعات اسعار الفوائد المستقبلية تدريجية وهذا ما يتوقعه الكثيرون حتى لا يحدث الامر صدمة للاقتصاد العالمي، سيما وانه يواجه اختلافا في سياساته النقدية حتى لو جاء مسار سعر الفوائد متناسقا وبطيئا.
يتأثر العالم برفع اسعار الفوائد، سيما الأسواق الناشئة وعملاتها المرتبطة الى حد كبير بسعر صرف الدولار. كذلك ستواجه حالة حيرة كونها ستحاول المحافظة على قدرتها التنافسية مما يجعل الأمر صعبًا في الأسواق. اضف الى ذلك وضعية الأسواق الناشئة وكونها مثقلة بالديون خاصة بالعملات الاجنبية وهذا ما حذر منه صندوق النقد الدولي و IIF وقد اوردوا أن اكثر من ٥٠٠ مليار دولار غادرت الأسواق الناشئة في العام ٢٠١٥ وهو يعدّ اول تدفق رؤوس اموال بهذا الحجم منذ عقود.

هذا الأمر طبيعي مع ارتفاع اسعار الفائدة في الولايات المتحدة ومتوقّع كون رؤوس الأموال الاستثمارية ستغادر المحيط الأطلسي من آسيا بحثا عن عائدات افضل – اما التكيف مع عالم لم تعد فيه اسعار الفائدة صفرية سيكون ضخما لكبرى الاقتصادات لذلك من المحتمل ان يكون هناك فترة متقبلة للاقتصادات والشركات والاسر للتكيف- هذا لا ينطبق على اوروبا واليابان فقط، انما سيكون مصدر قلق لمجمل الاقتصادات ريثما تنجلي الصورة في اكبر اقتصادات العالم واكبر محرك للنمو.

اما الاضطراب فظهر جليا في اسواق الأسهم و جاءت الانخفاضات قوية سيما مؤشر داو الذي انخفض ٣٦٨ نقطة خلال التعاملات اي اكثر من ٢ بالمائة بينما ارتفع مؤشر CBOE Vix والذي يعطي فكرة واضحة عن تقلبات السوق فوق الـ ٢٠ ما يعني نسبة عالية من الضغوط في الاسواق.
في تقرير عن وضع الاسواق المالية صادر عن مكتب (OFR) الذي انشأته وزارة الخزانة الأميركية بعد ازمة ٢٠٠٨ جاء ان النظام المالي الاميركي مشوّه نتيجة سبع سنوات من معدلات فائدة منخفضة.

كذلك حذر البنك الدولي من «بداية عصر النمو الضعيف للأسواق الناشئة» لا سيما وانها تمثل ٤٠ في المائة من الانتاج العالمي كذلك سوف يتأثرون بالاضطرابات المالية وهذا ما يعتبر نتيجة حتمية في ظل اخفاق النظام المالي العالمي من تدارك ازمة أدّت الى توفير تريليونات من الأموال الرخيصة دون ان تؤدي الى اي انتعاش حقيقي.

هذه الامور تعتبر عوامل سلبية يمكن ان تترتب نتيجة رفع اسعار الفوائد انما ليست كلها سيئة. ويتفق علماء الاقتصاد على ان هذا الارتفاع له حسناته وان كانت غير مقصودة وسوف تعكس ديناميكية في سوق الاقراض والاستثمار سيما للمدخرين الذين عانوا ولسنوات عديدة من جفاف في معدلات الفوائد وعوائدها، كذلك المصارف لأن لديها حوافز اكبر للقروض من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي.

والمصارف تواقة لرفع اسعار الفوائد وكبح الانخفاض في صافي هامش الفائدة والذي يعتبر مهما في ربحية المصارف. كذلك فان سيناريو تضخم ايجابي بعد ارتفاع اسعار الفوائد قد يشمل «انخفاض اسعار السلع الاستهلاكية المستوردة الى أميركا وبسبب احتمال زيادة قيمة صرف الدولار شرط ألاّ تقابلها سياسات تقشف في الاقتصادات الكبرى»، حسبما يقول Daniel Manaenkov من جامعة ميشيغن.

لذلك، لا شك ان خطوة الفيدرالي الاميركي تعتبر نقطة تحول ونهاية حقبة من المال السهل، مع العلم ان مجلس الاحتياطي الفيدرالي بدأ بالفعل تشديد الائتمان والحد من شراء السندات لتحفيز الاقتصاد (التيسير الكمي) منذ حوالي ١٨ شهرًا، لذلك تعتبر هذه المرحلة مرحلة انتقالية حتمية لا بد منها، وارتفاع الفوائد وتوقيتها جاءت نتيجة مؤشرات اظهرت فيها قدرة الاقتصاد الاميركي وديناميكيته في التعاطي وقد يكون الرابح الاكبر في هذه العملية هو الاحتياطي الفيدرالي الذي انجز المهمة في اقوى مؤسسة مالية في العالم.

وتبقى أهمية الامور لرجال الأعمال المستثمرين والمصارف سيما وان الدولار القوي يغير كل شيء، وارتفاع الفوائد يعني طبيعيا دولارا اقوى مستفيدا ايضا من وضعية الدول الاخرى، وهناك تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي كون اسعار الفوائد لا تزال تجتذب اهتمام المستثمرين العالميين مما يعني وفي الوقت الحاضر ان قيمة الدولار هي على ارتفاع.

وبما ان معظم السلع المتداولة عالميا هي بالدولار الأميركي والفائض التجاري يؤثر حتما على قيمة العملات وهذا ما حصل في السنوات الأخيرة في اميركا التي شهدت طفرة في الانتاج المحلي من النفط ساعدت على خفض العجز في الميزانية الأميركية وانخفاض الحساب الجاري (الذي يضم التجارة و صافي الايرادات عن الاستثمارات الأجنبية) قللت من الحاجة الى استيراد رؤوس اموال وتعتبر ايجابية للدولار الأميركي.

باختصار، سيؤدي الوضع الى تقوية الاقتصاد الاميركي وعائدات سندات متزايدة والى تحسن تجاري ملموس، وكلها عوامل تصب في خانة الدولار القوي. سيكون لارتفاع قيمة الدولار آثاره المهمة على استثمارات السندات والسلع الاساسية. ولا شك أن رفع اسعار الفوائد عامل مهم يؤدي الى ارتفاع الدولار ويساعد في تفسير آثاره المحتملة على الاستثمارات الاستراتيجية.

يبقى اخيرًا القول ان ديناميكية الاقتصاد العالمي تتأثر الى حد بعيد بقرارات الفيدرالي واسعار الفوائد الأميركية والميزان التجاري الاميركي وغيرها، مما يعني ان العالم واقله في العام ٢٠١٦ سيبقى في حال ترقّب لكل خطوة تخطيها يلين واحتساب كل نقطة نمو لمصلحة الاقتصاد الأميركي.

بروفسور غريتا صعب.