هل تُشعِل الصين أزمة إقتصادية عالمية جديدة؟

بدأ الإقتصاد الصيني بالتراجع بشكل ملحوظ منذ أعوام عدة. هذا التراجع أبرز مخاوف حول أزمة مالية وإقتصادية عالمية قد يكون سببها الانكماش (deflation)، مصدرها الصين وتنتقل بواسطة العولمة إلى باقي الإقتصادات.
توقع رويال بنك اوف سكوتلند (RBS) أن تكون سنة 2016 سنة كارثية من ناحية إنتشار الإنكماش في مختلف الإقتصادات العالمية مع تهاوي البورصات العالمية. وعمد هذا المصرف إلى الإيعاز إلى المستثمرين بالإستثمار في سندات الخزينة.

وهذا يعني حرمان سوق الأسهم – أي الإستثمار في الاقتصاد – من رؤوس الأموال. ويُعلّل المصرف هذا الأمر بأهمية عودة رأس المال وليس عائدات رأس المال ما يعني ضمنياً أن السوق سيخسر الإستثمارات. هذا الأمر المُخيف سيؤدي بدون أدنى شك إلى خسائر كبيرة في الأسواق المالية.

الإنكماش

الإنكماش ظاهرة إقتصادية تتمثل بإنخفاض في المستوى العام للأسعار (متزامناً أو لا مع إنخفاض في الكتلة النقدية) مع إنخفاض في الإنتاج. هذه الظاهرة التي تبدأ بإنخفاض عام في الأسعار تؤدي إلى خفض الفائدة بهدف زيادة الكتلة النقدية وبالتالي زيادة التضخم لإمتصاص إنخفاض الأسعار.

وخفض الفائدة يزيد الفائدة الحقيقية وبالتالي هناك صعوبة في سد الدين العام ودين الشركات التي تجد صعوبة أكبر في سدّ ديونها ما يعني تآكل ربحيتها والتقاعّس عن الإستثمار وخفض الأجور للموظفين وإنخفاض الإستهلاك والإنتاج اللذين يُعتبران عامودي الاقتصاد. وبما أن التوقعات بإنخفاض الأسعار هي سيدة الموقف، يتمّ تأجيل الإستهلاك إلى المستقبل ما يؤدي إلى هبوط الطلب وبالتالي الإستثمار بشكل مُضاعف.

هذا الواقع يؤدي إلى هبوط النمو وإنكماش الاقتصاد. والأصعب في ظاهرة الإنكماش عدم وجود أيّ سياسة فعالة تسمح بمحاربة الإنكماش على مثال الأزمة اليابانية في تسعينات القرن الماضي.

فقد عمدت الحكومة اليابانية في ذلك الوقت إلى التدخل على أساس النظرية الكينيزية وقامت بخفض أسعار الفائدة بهدف تشجيع الإستثمارات والإستهلاك على حساب الودائع وزيادة الكتلة النقدية والإنفاق العام. هذا الأمر أدى إلى زيادة الدين العام من دون أيّ زيادة بالإستهلاك مع ارتفاعٍ بالبطالة. وطال الأمر على هذا النحو حتى تمّ الخروج من الأزمة بزيادة الطلب الخارجي.

العالم الإقتصادي إيرفن فيشر أظهر من خلال أبحاثه أن هناك نوعا آخر من الإنكماش: «الإنكماش بالدين العام». وهو عبارة عن ظاهرة يعتبر فيها اللاعبون الإقتصاديون أن حجم دينهم كبير وبالتالي يبدأون ببيع أصول يمتلكونها لسدّ هذا الدين. وفي حال قام عدد كبير من اللاعبيين الإقتصاديين بتنفيذ البيع فإنّ ذلك يؤدي إلى خفضٍ في أسعار الأصول لدرجة أنّ نسبة الدين إلى الأصول تعلو كثيراً.

ومن أسباب الإنكماش بالدين العام المضاربات الزائدة في البورصة التي تؤدي إلى إعطاء قيمة للأصول أكبر من قيمتها الحقيقية ما يعني حصول الشركات على كمية كبيرة من الأموال للإستثمارات وهذا يتسبّب بحال من الذعر تدفع بالمستثمر إلى بيع أصوله ما ينتج عنه إنخفاض كبير في الأسعار يخلص إلى فقدان التمويل من الشركات وبالتالي تدخل الأسواق في الإنكماش.

الواقع الحالي مُخيف

المعروف في النظرية الاقتصادية أن كل إقتصاد يشهد نموا، يواكبه تضخم وذلك بحكم أن النمو عبارة عن زيادة في المدخول وبالتالي هناك زيادة في الطلب ما يعني ارتفاع الأسعار. لكن التضخم للإقتصاد هو كالحرارة لجسم الإنسان، اي أن ارتفاع التضخم يقتل الاقتصاد وكذلك يفعل الانخفاض الحاد في التضخّم. وتنصّ المعايير العالمية أن نسبة التضخم المقبولة للإقتصادات المُتطورة هي في حدود الـ 2%.

إلا أن الواقع الحالي مختلف بحيث أن التضخم في معظم الإقتصادات المُتطورة يتأرجح في حدود الـ 1% وهذا غير كاف، وبالتالي هناك مخاوف من خطر الإنكماش على صعيد هذه الإقتصادات.

وتأتي الصين في هذه اللعبة لتزيد الأمر سوءاً مع تعلق إقتصادها بالتصدير إلى هذه الدول وإلى الدول المُنتجة. لكن، مع التراجع في الإقتصادات الغربية وإنخفاض أسعار النفط ما شكّل ضرراً لإقتصادات الدول الُمنتجة للنفط، أخذ الاقتصاد الصيني بالتراجع بشكل ملحوظ يُنذر بأزمة خطيرة على صعيد الأسواق العالمية. هذه المخاطر تأتي من تراجع سوق الأسهم والقروض الصينية ما ينعكس سلباً على باقي الأسواق وخصوصاً الأوروبية المُصنفّة هشّة حيال الصدمات السلبية.

لكن هذه الأسواق ليست الوحيدة، فأسواق القروض في الدول النامية سجلت تراجعاً كبيراً تمثل بسحب الإستثمارات منذ منتصف العام 2014 وتفاقم الوضع بشكل كبير في أواخر العام 2015. أيضاً تُشير البيانات التاريخية للتجارة الدولية تراجع نموها إلى الصفر في أواخر العام 2015 ما يعني أنها مرشحة للتراجع بشكل سلبي في العام 2016.

أما على صعيد القروض فنرى أن الصين أصبحت تُشكل تهديداً واضحاً لرؤوس الأموال من ناحية حجم دين شركاتها التجارية والتي أصبحت خطراً حقيقياً مع تراجع النمو الصيني أي أن الصين على طريق الدخول في دورة الإنكماش.

ويبقى السؤال عن إمكانية خروج الصين من الإنكماش في حال دخلت فيه؟ الجواب غير معروف لأنه لا يوجد نظرياً وصفة للخروج من الإنكماش. وإذا ما أردنا إعادة التجرية اليابانية، فإننا سنفشل بحكم أن الدول الأخرى ستكون في أزمة إقتصادية ومالية كبيرة.

الذهب الرابح الأكبر

على الرغم من نصائح المصرف RBS بشراء سندات خزينة، من المُتوقع أن يعمد المُستثمرون إلى الإستثمار أيضاً في الذهب وهذا الأمر سيدفع بالأسعار صعوداً بحكم أن الذهب هو ملاذ آمن.

والأصعب في الإمر، إقتصادياً، أنه سيتم سحب الأموال من أسواق الأسهم وإستثمارها في سوق الذهب. والجدير بالذكر أنه من الصعب حالياً التكهن بأسعاره من دون معرفة ما سيؤول إليه الاقتصاد الأميركي في الفصل الأول من هذا العام.

الخروج من الأزمة

قبل كل شيء يتوجب على الولايات المُتحدة الأميركية، روسيا ومنظمة الأوبك أن يعمدوا إلى خفض الإنتاج من النفط بهدف تحفيز الطلب من الدول المُنتجة للنفط. هذا التحفيز سيسمح للإقتصادات العالمية وعلى رأسها الصين بتنفس الصعداء لكنه لن يكون كافياً.

فالإقتصاد الأميركي الذي يُعدّ محركا للإقتصاد العالمي ما زال يُظهر عوارض ضعف، وبالتالي يجب شبكها بوقف حرب العملات المُندلعة بين الدول المُتطورة إقتصادياً وخصوصاً الصين والولايات المُتحدة الأميركية وأوروبا واليابان. علّنا بذلك نُحفّز الطلب العالمي وبالتالي نخرج من دوامة أزمة العام 2008 الممزوجة بأسعار نفط مُنخفضة.

بروفسور جاسم عجاقة.