ثلاثة عوامل فاعلة في أسعار النفط

يعتبر النفط الخام سلعة اقتصادية استراتيجية، ما يعكس أهميته في الأسواق الدولية (سلعة العولمة بامتياز). أما العوامل المؤثرة التي تتداخل في تحديد سعره فهي: ميزان العرض والطلب الذي يحدد نهج الأسعار صعوداً أو هبوطاً في المدى المتوسط. والمضاربات اليومية في البورصات العالمية التي تؤدي الى تذبذب أسعاره الآنية. والعلاقات السياسية للدول المنتجة الكبرى. فهل هناك عامل واحد فقط يلعب الدور المؤثر، أم أن الأسعار تتأثر بكل هذه العوامل متداخلة؟

يتأثر السعر بتفاعل العوامل الثلاثة ودور كل منها في فترة زمنية محددة. مثلاً: لم تلعب المضاربات اليومية في بورصات النفط دوراً في تحديد الأسعار قبل السبعينات، فقد كانت تجارة النفط العالمية في منتصف القرن العشرين محتكرة من قبل شركات النفط الغربية العملاقة «الأخوات السبع». واعتمد هذا المصطلح مؤسس شركة «إيني» الإيطالية إنريكو ماتي. كما لم يؤثر ميزان العرض والطلب العالمي في معدل الأسعار لفترات متوسطة المدى حتى أوائل السبعينات أيضاً، لأن «الأخوات السبع» كانت محتكرة الإنتاج والأسواق. فقد كانت تنتج وفقاً للطلب في الأسواق التي هي مسيطر عليها. وتوسعت الأسواق بعدها، كما ازداد عدد الدول والشركات المنتجة. وعلى رغم أن الطاقة الإنتاجية العالية استمرت محصورة في ثلاث أو أربع دول، فقد تجاوز عدد الدول 55 دولة، لكن بتفاوت كبير في معدلات الإنتاج. والأهم من ذلك، زاد عدد الشركات العاملة، فبرزت شركات النفط الوطنية التي لها حق الامتياز للإنتاج من احتياط بلادها، الذي فاق مجموعه الاحتياطات التي تنتج منها الشركات العملاقة. كما تأسس الكثير من الشركات المستقلة التي بدأت العمل في بلادها أولاً ثم توسع نشاطها دولياً. وبرزت كذلك شركات تجارة النفط وتسويقه، ناهيك عن آلاف المضاربين من الأفراد والشركات في البورصات العالمية.

كذلك بالنسبة لدور البورصات العالمية الذي أدى إلى التذبذبات اليومية في الأسعار، فلم تبرز هذه الظاهرة بشكل مهم إلا بعد انفتاح الأسواق وبروز الشراء الفوري والعقود الآجلة، ما لم يكن ممكناً قبل السبعينات، مع احتكار «الأخوات السبع». فقد توسعت الأسواق والمضاربات بعد الانفتاح، ما أدى إلى تغير الأسعار اليومية والدور الواسع والمؤثر لوسائل الإعلام التي تنقل كلاً من الخبر والشائعة. ووسعت وكالات الأنباء خدماتها، فلم تكتف بتوزيع الأخبار السياسية أو الاقتصادية العامة، بل أخذت تخصص مساحة كبيرة لأخبار السلع وأسعارها، بخاصة النفط والغاز والمنتجات البترولية، ما أدى إلى ازدياد عدد المشتركين خصوصاً في المؤسسات المالية والنفطية، الذين أصبحوا مدمنين على هذه الأخبار ومعتمدين عليها في معلوماتهم. واعتمدت الأسواق على خدمات الوكالات المتخصصة، وفي الوقت ذاته تستقي الوكالات معلوماتها من البائعين والمشترين مباشرة، وتعلن السعر اليومي للأسواق بناء على المعلومات غير الرسمية المتوافرة لديها، بل الخاصة بمصادرها. وهذا التعدد والتضارب في المعلومات يؤدي الى تأرجح الأسعار، فمثلاً نجد هذه الأيام أن سعر النفط يرتفع أو ينخفض يوماً بعد يوم نحو 1-5 في المئة. ومرد ذلك هو محاولات فنزويلا التوصل إلى حل توافقي، وجولة وزير نفطها على وزراء الدول المنتجة من أجل التوصل إلى تفاهم حول هذا الأمر. ويعود التذبذب في السعر النفطي يومياً إلى معلومات أو شائعات يتم تداولها في الأسواق بناء على تصريح أو تسريب معلومات من هذا المصدر النفطي أو ذاك حول نتائج هذه الاجتماعات. وهناك أيضاً الأخبار الأسبوعية عن حجم المخزون التجاري، وتأثير موجة برد قارس وعواصف ثلجية من هنا، أو انقطاع إمدادات بعد حادث صناعي أو إرهابي.

من جهة العامل السياسي، فقد ارتبط تاريخ الصناعة النفطية بالسياسة منذ نشأتها في نهاية القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، فقد نشبت خلافات سياسية داخلية حادة بين مصالح متضاربة فيها. ورسمت خرائط الشرق الأوسط على ضوء المصالح البترولية للدول الأوروبية الكبرى كنوع من توزيع الغنائم بعد الحرب العالمية الأولى، وتطور الدور السياسي للنفط بالذات مع بدء استعماله وقوداً للبواخر بدلاً من الفحم الحجري أثناء الحرب العالمية الأولى، ما أعطى الأساطيل البحرية سرعة أقوى. ونشبت النزاعات بين دول المحور والحلفاء حول السيطرة على حقول النفط والأنابيب أثناء الحرب العالمية الثانية. وهناك الكثير من الحوادث حول تدخل الدول الكبرى لمصلحة شركاتها النفطية في دول أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، أشهرها مؤامرة المخابرات الأميركية والبريطانية للانقلاب على رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، الذي أمم شركة النفط الأنغلو- إيرانية عام 1953.

تتأثر الأسعار بعدد من العوامل المتفاعلة والمترابطة، فمن الصعب الفصل بينها أو تبني نظرة أحادية لتدهور الأسعار، فهناك بالنسبة لميزان العرض والطلب، التخمة في المخزون النفطي التجاري الذي زادت كميته عن الخزانات في اليابسة، فلجأت الشركات إلى التخزين في الناقلات في عرض البحار. وهناك فائض يومي في الإنتاج بأكثر من مليون برميل يومياً. ومن الصعب جداً تصحيح الأسعار من دون محاولة جماعية لخفض الإنتاج ومن ثم تقليص المخزون التجاري. فما دام هذا المخزون الضخم متواجداً، فسيستمر في التأثير سلباً على معدل الأسعار.

وهناك المعلومات المتضاربة والمسربة عن مدى نجاح جولة الوزير الفنزويلي. والأهم من ذلك مدى إمكان الاتفاق مع روسيا وتنفيذه، والشرق الأوسط يعاني حروباً فعلية، داخلية وإقليمية ودولية. وهناك صراع مفتوح على جبهات عدة بين المنتِجَين الكبيرين: السعودية وإيران، إضافة الى حرب باردة جديدة في ساحتي الشرق الأوسط وشرق أوروبا بين روسيا والولايات المتحدة. فما هو دور النفط في هذه الصراعات؟

واضح أن انخفاض الأسعار أثر سلباً في كل من الاقتصادين الروسي والإيراني (وإن استفاد الأخير من رفع العقوبات). لكن واضح أيضاً أن الكثير من الدول المنتجة الأعضاء في «أوبك» تأثر سلباً بتدهور الأسعار، ومن بينها دول الخليج العربي، ناهيك عن الولايات المتحدة.

في ظل هذه العوامل المتداخلة، من الصعب التمسك بعامل واحد فقط من دون غيره كسبب رئيس لتدهور الأسعار.

 

وليد خدوري