ارتفاع أسعار النفط: الأسباب والتوقعات

شهدت أسواق النفط العالمية تطورات مهمة خلال الأسبوعين الماضيين. فارتفعت الأسعار تدريجاً من 27 دولاراً للبرميل إلى أكثر من 40 دولاراً. وتزامنت مع هذه القفزة السعرية انخفاضات طفيفة نسبياً ومتوقعة.

يعود السبب الرئيس في التغير السعري إلى التفاهم السعودي – الروسي الجيوستراتيجي، من خلال قرار اتفاق الدوحة لتجميد الإنتاج على مستوى كانون الثاني (يناير) الماضي. وعلى رغم أن قرار التجميد لم يعتبر خطوة كافية لتصحيح الأسعار، كان خطوة إيجابية حيث نجح في تحريك الوضع الساكن منذ منتصف 2014، والبدء بحوار جدي يؤدي إلى تغيير نهج الأسعار المتدهورة.

برزت تساؤلات عدة رافقت مؤتمر الدوحة الذي شاركت فيه السعودية وفنزويلا (التي بادرت بطرح الحلول للتفاوض) وقطر (الرئيس الدوري الحالي للمنظمة) ومؤتمر طهران (شاركت قطر وفنزويلا وايران التي تعمل لزيادة صادراتها 400 ألف برميل يومياً والعراق الذي يحاول زيادة إنتاجه 400 ألف برميل يومياً هذه السنة). يتعلق التساؤل الأول بكيفية المواءمة بين تجميد الإنتاج لبعض الدول، وزيادته لدول أخرى. والثاني: لماذا اعتماد إنتاج كانون الثاني كمعيار للاتفاق؟

تحركت الأسواق بسرعة بعد اتفاق الدوحة. فقد سحب الكثير من المضاربين الذين راهنوا بأموالهم على أساس تدهور سريع للأسعار على المدى القصير، وحل محلهم تدريجاً مضاربون جدد متفائلون بأهمية اتفاق الدوحة على المدى المتوسط، على رغم المحاذير، وراهنوا على أساس صعود الأسعار الى 40 -60 دولاراً خلال النصف الثاني من السنة.

رافقت هذه المتغيرات لانطباعات المضاربين معلومات إيجابية، إذ أعلنت شركة الخدمات الهندسية «بيكر هيوز» في تقرير دوري، أن عدد الحفارات المستعملة في الولايات المتحدة في انخفاض مستمر للأسبوع الحادي عشر على التوالي، ما يعني توقع انخفاض مستوى الإنتاج الأميركي. كما أعلنت الشركة النفطية العملاقة «أكسون موبيل» عن خفض موازنتها للحفر خلال هذا العام الى أدنى مستوياتها منذ 10 سنوات. فيما أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن إنتاج النفط الأميركي من البر انخفض لستة أسابيع متتالية، وأعلنت وزارة العمل عن ارتفاع مهم في عدد الوظائف، وهو مؤشر ايجابي مهم إلى عافية الاقتصاد وزيادة الطلب على النفط. من جهة أخرى، ازداد معدل استيراد الولايات المتحدة النفط خلال الأسابيع الأخيرة نتيجة لانخفاض الإنتاج. إذ أفاد تقرير إدارة معلومات الطاقة بأن الإنتاج سينخفض هذا العام نحو 7 في المئة، اي نحو 620 ألف برميل يومياً. ويتوقع أيضاً انخفاض الإنتاج الروسي 150 ألف برميل يومياً.

يعود السبب في انخفاض الإنتاج الى تدهور الأسعار وعدم ربحية الشركات من الحقول ذات الكلفة الإنتاجية العالية، ناهيك بشح القروض من المصارف الأميركية في الولايات المتحدة بسبب الحجم العالي للقروض التي كانت زودت بها الشركات النفطية سابقاً. لافت أيضاً انخفاض الإنتاج من أقطار «أوبك» في شباط 200 ألف برميل يومياً عن مجموع إنتاج دول المنظمة لكانون الثاني. فقد انخفض إنتاج دول «أوبك» الى 32.33 مليون برميل يومياً في شباط (فبراير)، مقارنة بنحو 32.52 مليون برميل في كانون الثاني. وعلى رغم كل هذه العوامل، استمرت المحاذير من عدم وجود اتفاق نهائي حول تخفيض الإنتاج، العامل المهم لتقليص المخزون التجاري الأميركي القياسي الذي بلغ نحو 520 مليون برميل، ما يهدد ارتفاع الأسعار، التي تراجعت خلال الأسبوع الماضي بسبب أرقام اقتصادية ضعيفة للصين. فقد ازداد الطلب على النفط في الصين، من جهة، خلال كانون الثاني وشباط بنسبة 19.1 في المئة أو 8 ملايين برميل يومياً خلال الشهرين الماضيين، وهو معدل جيد. لكن، من جهة أخرى، ما أخاف الأسواق هو انخفاض صادرات الصين نحو 25 في المئة خلال شباط. على رغم الازدياد الملحوظ في الطلب أخيراً، جاء الخوف من عدم إمكان استمرار الصين في المحافظة على الطلب المرتفع. وعلى رغم ذلك، كان التراجع السعري محدوداً وتأرجح حول 40 دولاراً للبرميل.

في الحقيقة، يجب قراءة الصين اقتصادياً بطريقة جديدة من الآن فصاعداً. لقد حدث تغير هيكلي في سياستها. فبدلاً من إعطاء أولوية للصادرات الصناعية، ينصب الاهتمام خلال هذه المرحلة على المستهلك الصيني لتوفير البضاعة الاستهلاكية له من طريق التعاونيات والمخازن المحلية. ويؤثر هذا التغيير الهيكلي في الاقتصاد الصيني، في حجم التجارة الخارجية للبلد ودورها، وفي الطلب على الطاقة.

هناك محاولات دؤوبة للحصول على تأييد أكبر عدد من الدول المصدرة لاتفاق الدوحة. إذ يحاول وزير النفط الفنزويلي عقد اجتماع مشترك لها في أميركا اللاتينية. وتحاول روسيا الحصول على موافقات الدول المصدرة من الجمهوريات السوفياتية السابقة، كازخستان واذربيجان. وأعلنت دول الخليج العربي، الكويت والإمارات وقطر، مساندتها اتفاق الدوحة وسياسة تجميد الإنتاج التي تؤيدها السعودية.

أصبح واضحاً أن خيار تجميد الإنتاج أمر ضروري لتصحيح مسيرة رفع الأسعار. لكن على رغم ضرورة هذا الخيار، تبقى تساؤلات عن مدى النجاح في التوصل الى خفض مهم في المخزون التجاري النفطي. ولا مؤشرات الى أن قرار خفض الإنتاج وارد قريباً. لكن، ما الذي سيحدث بعد الالتفاف الكبير حول تجميد الإنتاج؟ هل سيتم الاكتفاء بسعر يتراوح ما بين 40 و60 دولاراً للبرميل خلال النصف الثاني من السنة؟ من ثم يمكن تفادي قرار خفض الإنتاج والاكتفاء بوقف تدهور الأسعار والحصول على معدل سعري متوسط ومعقول في حدود 50 دولاراً. هذه السياسة الجديدة تخدم أهدافاً عدة في الوقت ذاته: يبقى السعر المعتدل ضاغطاً على الإنتاج من الحقول ذات الكلفة العالية (النفط الصخري ونفوط البحار العميقة) بحيث ان الحقول ذات الكلفة الإنتاجية العالية جداً ستضطر إما الى الإغلاق أو تقليص الإنتاج. وترتاح الدول المنتجة من ضغوط تدهور الأسعار على موازناتها. كما من الممكن تحقيق استقرار الأسواق وخدمة مصالح المُصدرين والمستهلكين.

وليد خدوري. متخصص في شؤون الطاقة.