أسعار الفائدة السلبية: ظاهرة جديدة في السياسات الاقتصادية (1)

منذ وقوع الأزمة الماليّة الأخيرة، يحاول كلٌّ من خبراء الاقتصاد والمسؤولين في المصارف المركزيّة إيجاد حلّ للخروج من الركود الناجم عن انفجار الأزمة الائتمانية العالميّة، في ظلّ فشل التوسّع في كمية النقود المتداولة في تعزيز النمو. وفي أعقاب هذه الأزمة التي حصلت في العام 2008، بدأت المصارف المركزيّة حول العالم، باستخدام أداة نقديّة مشتركة، من خلال طباعة النقود بغية شراء سندات صادرة عن الحكومات والشركات بهدف التوسّع في عرض كميّة النقود المتداولة وتخفيض أسعار الفائدة، لتوفير المزيد من الأموال التي يمكن إقراضها إلى الشركات والأفراد.
هذا تدبير كان المفترَض أن يقوم بتحفيز الاستثمارات والاستهلاك وإنقاذ العالم من الركود الاقتصادي. غير أنَّ ذلك لم يحصل، بسبب المخاوف العامة إزاء الضغوط الانكماشيّة، والتباطؤ المستمرّ في نمو الاقتصادات الكبيرة، والطلب البطيء على السلع الأساسيّة من قِبَل مستوردين كبار، مثل الصين.
عندما فشلت الفوائد المنخفضة ـ التي لامست الصفر ـ بتحريك العجلة الاقتصادية، بدأ المصرفيّون المركزيّون في بعض الدول المتقدّمة، بتجربة الفوائد السلبيّة لتحفيز الاستثمار ومعاقبة الادّخار.
ويبرز هنا، مرة أخرى، السؤال حول فعاليّة السياسة مقابل السياسة الماليّة الاستثماريّة في الأزمات، وهو نقاش يدور بين خبراء الاقتصاد منذ عقود.
سنعرض في هذا المقال ـ على جزءين ـ مبدأ السياسات النقديّة والماليّة الاستثماريّة للدول، وسنحلّل كيف أنَّ السياسات المالية تبقى قاصرة وحدها عن أن تنعش الاقتصاد خلال الأزمات، ونشدّد على أهميّة السياسات الماليّة الاستثماريّة في النهوض من الركود الحالي.
الفائدة السلبيّة
كان الاعتقاد السائد في الماضي، أنَّ المستوى الأدنى لأسعار الفائدة هو الصفر، إذ إنَّه في حال أصبحت هذه الأسعار سلبيّة، سيقوم الوكلاء الاقتصاديّون، أي الأفراد والشركات، بسحب أموالهم لإخفائها تحت فراشهم أو في خزنتهم، ما ستكون له عواقب وخيمة على النظام المالي وعلى الادّخار، وبالتالي على النشاط الاستثماري والاقتصادي.
منذ أن تجرّأت الدنمارك على اعتماد أسعار الفائدة السلبيّة في العام 2012، حذَت بلدان عدّة حذوها، وآخرها اليابان، على أمل أن يساعدها ذلك على مكافحة الركود السائد. تُظهر هذه المحاولة الجديدة من قبل مصارف مركزيّة في بلدان متقدّمة، أنَّ الأدوات التقليديّة لوضع السياسات النقديّة، قد فشلت في إنعاش العالم من الركود الاقتصادي الذي نجم عن أزمة الائتمان الدوليّة في العام 2008.
لكن، من غير المؤكّد أنَّ الحلّ المناسب هو اعتماد سياسات نقديّة صارمة مثل إطلاق أسعار الفائدة السلبيّة، خصوصاً أنَّ الحكومات والسياسيين قد تجاهلوا كليًّا أهميّة الأدوات الماليّة – الاستثماريّة، واعتمدوا الأدوات النقديّة، وها هم اليوم ينتظرون أن تأتي المصارف المركزيّة بالحلّ المناسب.
التضخّم والانكماش
إنَّ أسعار الفائدة هي سعر المال، أي سعر الاستهلاك اليوم، في مقابل سعره غداً. يتمتّع المودعون بحافز ليدّخروا أكثر عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة وبحافزٍ، ليُنفقوا أو يستثمروا أكثر عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة. ولكنَّ الأمر لا يقتصر على أسعار الفائدة التي يحصل عليها المودعون، إذ إنّه يجب تعديل النموّ الحقيقي لأموال الفرد في المصرف، وفقاً لمعدّل التضخم من أجل معرفة النمو الحقيقي لحسابهم المصرفي، نظراً لأنَّ التضخم يُضعف القيمة الشرائيّة للمال.
قد يكون التضخم المعتدل صحيًّا وضروريًّا للاقتصاد، خصوصاً أنَّه يعكس النمو. ولكن، عندما يرتفع معدّل التضخم بشكل أسرع من المتوقّع ولا تتمكّن الأجور من مواكبته، يصبح التضخم مضراً. إذ إنَّ التضخم المفرط يعني أنَّ الاقتصاد مُتْخَم بكميّة أموال تفوق كميّة السلع المتوفّرة، ما يُضعف القوّة الشرائيّة للعُملة، ويُلحق بالتالي الضرر بالطلب والإقراض والتصدير والنمو الاقتصادي، ويؤدّي إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
تقع هذه المسائل في صلب السياسة النقديّة المُعتمدة من قبل المصارف المركزيّة حول العالم، والتي تحاول تحديد معدّلات أسعار الفائدة وكمية النقود المتداولة التي يجب أن تكون متوفرة في اقتصاد ما، بهدف ضمان كلٍّ من الاستقرار والنمو، في الوقت عينه.
ليس التضخم المشكلة الوحيدة التي قد يواجهها الاقتصاد؛ والانكماش هو عكس التضخّم المرتفع، ويولّد أيضاً أضراراً جسيمة. فعندما تبدأ الأسعار بالانخفاض في إطار اقتصاد معيّن، سيقوم المستهلكون بتأجيل المشتريات المهمّة بانتظار انخفاض الأسعار بشكل أكبر، ما يؤدّي بدوره إلى انخفاض الأسعار أكثر بسبب تراجع الطلب. وستؤدّي هذه الحلقة المفرغة إلى الركود بسبب تدنّي الطلب، ما سيدفع بالشركات إلى تقليص الاستثمارات والتوظيف، وسيتراجع إنتاجها. وهنا تكمن المشكلة الأساسيّة التي يعاني منها العالم الصناعي منذ أزمة الائتمان في العام 2008.
حرب العملات
عند القيام باختيار سياسة خاصة بسعر الفائدة، يجب فهم العلاقة التي تربط بين كل من أسعار الفائدة وأسعار الصرف والمعاملات التجاريّة وتدفّقات رؤوس الأموال. يتمّ تحديد أسعار الصرف بين العملات المختلفة، وفقاً لتدفّقات التجارة ورؤوس الأموال بين كل من البلدان المعنيّة. ويتمّ تحديد العلاقة بين هذه العوامل المختلفة، عند تعويم أسعار الصرف وليس عند تثبيتها. يقوم الطلب على منتجات بلدٍ معيّن، من خلال الصادرات بزيادة الطلب على عملته. وبالتالي، ترتفع قيمة هذه الأخيرة، نسبةً إلى عملة البلد المستورد، في حال كان الميزان التجاري مع البلد الثاني على أساس صافٍ إيجابياً، أو تنخفض قيمتها إذا كان الميزان التجاري سلبياً. ومن جهة أخرى، من شأن سعر الفائدة المُرتفع لعملة معيّنة أن يقوم بجذب رؤوس الأموال وزيادة الطلب على هذه العملة، ما يرفع قيمتها ويزيد كلفة صادرات البلد المعني.
في بعض الأحيان، تقوم الحكومات بإبقاء سعر صرفها عند مستوى منخفض، من خلال اللجوء إلى طرق مصطنعة، حتى في ظلّ وجود أسعار فائدة مرتفعة، وذلك بهدف زيادة تنافسيّة صادرات بلادها. وهذا ما قامت به الصين لبعض الوقت، قبل أن تبدأ مؤخراً بالتفكير مليًّا باعتماد نظام نقدي أكثر مرونة بعدما انهارت سوق الأوراق الماليّة الصينيّة نتيجة تباطؤ الاقتصاد في البلاد. على نحو مختلف، تقوم المصارف المركزيّة أحياناً بخفض أسعار الصرف إلى مستويات أدنى من التي يعتمدها شركاؤها التجاريون، وذلك بهدف جعل عملتهم أقلّ جاذبيّة للمودعين، ما يخفض قيمة العملة ويجعل صادراتها أكثر جاذبيّة، ويحفّز النشاط الاقتصادي في بلادها. هذه هي حرب العملات التي سنتحدث عنها أكثر في ما يلي.
«في المدى الطويل، كلّنا أموات»
كما ذكرنا، فإنَّ السياسة النقديّة تستهدف سعر الفائدة وكميّة النقد المتداولة للتأثير على رغبة الشركات والأشخاص بالاستثمار والادّخار، مع إدارة حكيمة للتضخّم.
إنَّ السياسة الماليّة الاستثماريّة، تتضمّن قيام الحكومات بإنفاق مباشر وواسع النطاق بغية تحفيز النمو الاقتصادي (خصوصاً على صعيد البنية التحتية والتربية والعناية الصحيّة والطاقة)، و/أو تخفيض الضرائب، ما يتسبّب بعجز مالي للدولة وبزيادة الدين. ولكن، يتمّ التعويض عن ذلك، بارتفاع التحصيل الضريبي لاحقاً كنتيجةٍ لزيادة كلّ من حجم الاقتصاد وفرص العمل والأجور.
يهدف اعتماد السياسة الماليّة الاستثمارية التوسّعيّة إلى دفع القطاع العام إلى ملء النقص المؤقّت في الطلب الناجم عن القطاع الخاص، بغية مساعدة هذا الأخير على التعافي بشكل أسرع. إنَّ المناصر الأكبر لتدخّل السياسات الماليّة في عمل الاقتصاد هو الاقتصادي الشهير جون مينارد كينز الذي كان يؤمن بضرورة تدخّل الدولة، لأنَّ الأسواق غير فعّالة على المدى القصير. وكان يختلف بذلك عن الاقتصاديين الشهيرين اللذين أتَيا قبله، واللذين كانا يعتقدان أنَّ الأسواق فعّالة على المدى الطويل، ويجب أن نتركها تعمل بشكل حرّ، وهؤلاء يُعرَفون بالاقتصاديين التقليديين. كان كينز يردّ عليهم بالقول: «في المدى الطويل، كلّنا أموات»، لذا لا يمكن انتظار الأسواق كي تنظّم نفسها.
وتشكّل اليابان مثالاً جيداً عن عدم فعاليّة السياسة النقديّة عندما تبلغ أسعار الفائدة الصفر ـ أو ما يُعرف بمفهوم «مصيدة السيولة» ـ وتفشل، بالرغم من ذلك، في تحفيز الاستثمار ورفع الطلب والأسعار. وتتخبّط اليابان داخل مصيدة السيولة منذ أكثر من عقدين، ويُعزى ذلك بشكل أساسي إلى شيخوخة السكّان، وتقلّص القوى العاملة، ومقاومة إصلاح سوق العمل.
الأموال المروحية
يتمتّع صناع القرار بخيار آخر، وهو ما يُعرَف بالأموال المروحية. هو مفهوم يجمع بين السياسات النقديّة والماليّة، إذ تتخطّى النقود المطبوعة الجديدة النظام المالي لتصل مباشرة إلى جيوب الناس، على أمل أن يقوم هؤلاء بإنفاقها وليس بادّخارها. تُعتبر هذه الطريقة شكلاً من أشكال السياسات النقديّة، لأنّها تقوم بالتوسّع في عرض كميّة النقود المتداولة من دون زيادة دين الحكومة. وفي الوقت نفسه، تُعتبر شكلاً من أشكال السياسات الماليّة، لأنّها تُرسل الأموال النقديّة إلى المستفيد النهائي. ويُظهر التوجّه الجريء الآن نحو اعتماد أسعار الفائدة السلبيّة، أنَّ المصارف المركزيّة حول العالم، لا تزال تبحث وحدها عن حلّ للضغوط الانكماشية، في حين يقف السياسيون مكتوفي الأيــــدي من دون استهداف الاقتصاد الحقيقي، من خلال الإنفاق على البنية التحتيّة والمباشرة بالإصلاحات الهيكليّة الضرورية لاقتصاد بلادهم.
طلال سلمان.

بورصة انفو : الموقع الرائد لأخبار الذهب , العملات , البورصات. مع تحليلات الدولار واليورو