أصحاب البلايين في بكين أكثر من نيويورك

في إحصاء أجرته المجلة الشهرية لمصنع «هورون» في مدينة شانغهاي الصينية، التي تنشر تقارير سنوية عن أغنى رجال العالم وعاداتهم في الإنفاق، تجاوز أصحاب البلايين في بكين المئة في مقابل 95 في مدينة نيويورك، بعدما انضم 32 اسماً جديداً إلى لائحة العاصمة الصينية العام الماضي، في مقابل 4 فقط في المدينة الأميركية.

وأشار الإحصاء أيضاً إلى أن مدينتي هونغ كونغ وشانغهاي الصينيتين، تحتلان المركزين الرابع والخامس على التوالي في هذه اللائحة برقمي 64 و50 بليونيراً، في حين تتحدث تقارير أخرى عن وجود 600 بليونير صيني، وسط تساؤلات تتناول أساليب تصرفهم بأموالهم الضخمة في المستقبل.

ببساطة، يعكس التقرير منحى التغيير غير العادي الذي نقل الصين خلال عشرين سنة من دولة لا تستطيع إلا إنتاج بضائع صغيرة وبناء مبانٍ أشبه بعلب، وتقبل إدارة الغرب لمصانعها في مقابل حصة مئوية لا تتجاوز 3 في المئة، إلى دولة تملك ثاني أقوى اقتصاد في العالم. أما استكمال هذا المنحى التصاعدي الواعد، فيتطلب بحسب بليونيرة قطاع العقارات زانغ زين البالغة 50 من العمر، «مواصلة الصين الانفتاح والتواصل مع الخارج، والاقتناع بأن العالم بات واحداً اليوم».

وتضيف: «النموذج القديم لانعزال الدولة والتمسك بقدرتها على حل المشاكل بنفسها بات غير عملاني اليوم، سواء على الصعد الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية». لأن الانعزال «يعني فقط تراجع النمو، وهو حقبة من الماضي».

وتؤكد زانغ أن «المستثمرين لا يحبون مواجهة أوضاع محيّرة، والأسواق تبلغنا أن معرفتهم الواقع تحتم إعطاءهم صورة مفصلة وواضحة عن الاتجاه المستقبلي للاقتصاد. وإذا التزمت الحكومة سياسة الباب المفتوح، يجب أن تظهر استراتيجيات شفافة وتتخذ خطوات تنفيذية لتعزيز الثقة».

وترى أن السؤال المطروح: «ليس إذا كانت الخطوات المتخذة وبينها على سبيل المثال جعل حصة الاستهلاك الداخلي أكبر من الناتج العام ستنجح أم لا، بل بأي سرعة نستطيع تحويلها إلى واقع»؟ وتقول: «حين يكبر الاقتصاد لا يمكن الاعتماد على الاستثمارات فقط، وهو ما حصل سابقاً قبل أن يتقلص أكثر وأكثر اليوم، لذا يجب تغيير الأمور وبأسرع ما يمكن».

وتشير زانغ إلى أن الشركات في الصين «تعمل على غرار زبائنها بطريقة حديثة جداً، فهي تعتمد اليوم على أخذ الأفكار المناسبة من الإنترنت وتنفيذها بطريقة فاعلة، وهو ما نفّذه موقع ميتوان من خلال نقله فكرة شركة «أوبر» الأميركية لخدمات التاكسي، وتنفيذها على الأرض». من هنا «يبدو جلياً قدرة الصينيين على إدراك الفرص المتاحة وتكييفها في عالمهم، عبر العمل الجدي والقاسي وروح المؤسسات التي يملكونها».

وتطالب بليونيرة العقارات بإصلاحات أكبر في مؤسسات القطاع العام لزيادة حيوية مواكبتها التغييرات. فيما تشيد بتسهيل الحكومة إجراءات تسجيل الشركات وسفر رجال الأعمال إلى الخارج، ومساهمتها في زيادة مرونة قيمة عملة يوان. في حين تعتبر أن الخدمات الرقمية لا تزال في بداية نموها في الصين، «فهي بدأت فعلاً في قطاعات النقل والتسوق والفنادق، وستمتد حتماً إلى التعليم والاستشفاء والإدارة وفروع قانونية، ما يعني أن الفرص المتاحة كثيرة للمبتكرين والطموحين في هذه المجالات بخلاف قطاع العقارات، حيث يمكن بناء بكين وشانغهاي وربما مدن كبيرة جداً خلال فترة لا تتجاوز 15 عاماً».

وتؤيد زانغ تكثيف أصحاب البلايين في الصين أموالهم في الخدمات الاجتماعية، «في تكرار لما يفعله نظراؤهم الأميركيون، علماً أنها تبرعت قبل سنوات بمبلغ مئة مليون دولار لبرنامج تعليم طلاب متفوقين في جامعات عالمية شهيرة».

وفي وقت ترى زانغ أن الحضور الأهم للحزب الشيوعي الحاكم يبقى في بكين ومدينة شانغهاي، في حين يُفضّل ارتباط رجال الأعمال بعلاقات جيدة مع مسؤولين في الحكـــومات الإقليـمية لإنجاح مشاريعهم، يؤكد وانغ شينينغ رئيس إدارة الإعلام في وزارة الخارجية الصينية أن الحكومة «تدخل بفاعلية مرحلة تحوير نمط العمل والإدارة والخدمات والمجتمع، والتوسع إلى الأسواق واجتذاب المستثمرين».

ويلاحظ وانغ الحاجة إلى تحرير تحكم المصارف المملوكة من الدولة في الاقتصاد لزيادة فاعلية مواكبتها للمشاريع، و»هو ما يمكن حصوله عبر جذب مصارف خارجية إلى الصين، وكذلك إصلاح هيكلية رأس المال ومجالس الإدارة، والسماح بقدوم مستثمرين أجانب. لكن من الضروري أيضاً امتلاك الدولة الغالبية في حصة إدارة المجالس، كي تستطيع تنفيذ سياستها في حماية المشاريع والصناعات التزاماً بحرصها على حماية مصالح المواطنين».

ويحدد وانغ نقاط قوة الصين في امتلاكها معدات وتكنولوجيا رخيصة، «فيما تتنوّع متطلبات سوقنا الكبيرة والمختلفة التي تحتم صنعنا أقماراً اصطناعية إلى جانب أشياء صغيرة كنظارات مثلاً. علماً أن هذه الحاجات لا يمكن في أي حال دفعنا إلى التخلي عن أي صناعة بخلاف بنغلادش مثلاً، التي لا تعاني من عدم قدرتها على صنع سيارات للاستخدام المحلي».

ويستدرك وانغ أن «نقاط الضعف تتمثل في النمو المتواضع للأقاليم خصوصاً تلك في الغرب، ما يحتم توفير اهتمام أكبر لمعالجته. وكذلك في افتقاد القدرة على محاسبة مديرين تنفيذيين في شركات تعثرت مشاريعها أو التزاماتها خصوصاً في بلدان أجنبية، وهو ما حصل مثلاً في مدغشقر وبنغلادش». من هنا يقول: «إننا لا نزال نعتقد بأن الشيوعية جيدة لمستقبل الإنسانية، لكننا نعلم أننا لسنا ناضجين في مجالات كثيرة».

ويؤكد أن «من الضروري درس أسلوب إدارة الشركات الدولية الكبرى، لأنها أقوى في التسويق والتمويل وتجني أموالاً كثيرة من العمل القليل. أما العمل مع الشركات الأجنبية، فيتطلب تقويماً دقيقاً لحاجاتنا، مع تجنب تلزيمها مشاريع تتعارض مع متطلبات حماية أمننا القومي».

كذلك يؤكد المسؤول في الخارجية الصينية «ضرورة مواصلة تطبيق إجراءات حازمة لمحاربة الفساد وفرض نظام ضريبي جيد وعادل، إذ لا يمكن السماح بأن يرث أبناء أشخاص فاسدين 10 شقق».

ويعتبر وانغ أن النموذج الاشتراكي للدول الأوروبية جيد، «لكن يجب تفادي مشاكل نظام الضمان الاجتماعي المرهق، في ظل التزامنا تأمين مقومات العيش الجيد للناس الذين يعملون بجدية، علماً أننا نعيش في دولة مساحتها كبيرة جداً، ما يعني أن تحدياتنا ضخمة في توفير استقرار اجتماعي مناسب».
بكين. كمال حنا.