تحدّيات دراغي و«المركزي الأوروبي

لم تشهد الأوضاع الاقتصادية والمالية الأوروبية تحسّناً ملموساً منذ العام ٢٠١١. ولا يزال تباطؤ النمو والبطالة لا سيما بين الشباب من الدوافع لهكذا كلام. كذلك الهجمات الإرهابية في أوروبا والتي أثرت في الناتج المحلي الإجمالي. ويبدو أنّ نهج السياسة النقدية غير التقليدية التي تتّبعها مصارفُ مركزية لم تُحدث أيّ تحسّنٍ ملموس في الاقتصاد، وهناك مخاوف من آثار غير مقصودة قد يتعرض لها الاقتصاد.
جاءت تحرّكات المركزي الاوروبي تحت الضغط متأثراً ليس فقط بالقضايا الاقليمية انما ايضاً بتحركات المصارف المركزية الكبرى. وتحقيقاً لهذه الغاية زاد من الوتيرة الشهرية لمشتريات الاوراق المالية ودفع بأسعار الفوائد اكثر باتجاه السلبية، ما قد يغيّر هيكل اسعار الفائدة.

وهكذا نرى أنّ الاتجاه يشكل تناقضاً حاداً مع مسلك الفيديرالي الاميركي ويقترب أكثر فأكثر من المركزي الياباني- وعلى الرغم انه من غير المؤكد ما سوف تنتج عنه هكذا سياسات تجريبية، يحتمل ومن دون أدنى شك ان يكون لها تأثير في اسعار الصرف واسعار الاصول المالية فضلاً عن احتمال وقوع بعض الآثار الجانبية الاقتصادية- وبالتحديد ذلك قد يساعد على إضعاف اليورو وزيادة الصادرات كما سوف يدعم أسواق الأسهم الاوروبية- لذلك ما قاله برنانكي حاكم الفيديرالي الاميركي السابق يبقى صالحاً «السياسات غير تقليدية لها تكاليفها ومخاطرها».

وقد يكون ملفتاً للنظر اعتماد الاقتصاد الاوروبي المفرط على البنك المركزي الاوروبي ما يخلق بيئة صعبة ويشوّه تخصيصَ رأس المال ما يعني أنه وبالمطلق قد يسبب ذلك مضاعفات ليس من السهل السيطرة عليها.

هذا ووضعية المركزي الاوروبي تثير الاهتمام والسؤال الذي يطرح نفسه الآن لا سيما بين الاقتصاديين والمحلّلين الماليين هو الى أيّ مدى يمكن للمركزي الاوروبي تخفيض أسعار الفوائد تحت الصفر دون التقليل من اهتمام المستثمرين والعملاء.

لذلك نرى المركزي الاوروبي بين حالين لا ثالث لهما: الفيديرالي الاميركي والذي لم يغامر اكثر في السياسات النقدية غير التقليدية علماً أنه قادر على ذلك وبين اليابان التي لا تزال مستعدة للمضي بهكذا سياساتٍ علماً أنّ هكذا سياسات ولغاية الآن لم تُظهر مفعولاً يدعم النشاط الاقتصادي.

لكن وعلى ما يبدو أنّ الامور بدأت تصبح خارج السيطرة وخبرة الفيديرالي في السياسات غير التقليدية لم تكن صالحة في اوروبا ما يعني أنّ الاوروبي ذاهب الى مزيد من التيسير الكمي والفوائد السلبية وهذا ما حصل أخيراً مع اجتماع البنك في فرانكفورت. هذا وحكام المركزي الاوروبي لا سيما دراغي تحت ضغوط كبيرة لتوسيع الدعم الذي يقدمه المركزي للاقتصاد الأوروبي ويواجه تحدّياتٍ لا سيما تغيّر هيكل أسعار الفوائد.

أما زيادة عملية التيسير الكمي من ٦٠ مليار يورو شهرياً الى ٨٠ مليار يورو يعني زيادة الاموال في المؤسسات المالية التي تمتلك السندات ويعني أيضاً وضع أموال أكثر في اقتصاد منطقة اليورو ويكون المصرف بذلك قد استنفد كلّ الوسائل المتاحة لتحفيز النموّ الاقتصادي لا سيما أنه ولغاية الآن هذه السياسات لم تعطِ مفعولاً يؤكد ويساعد في ذلك الأجواء الاقتصادية العالمية والتراجع المبين في إحدى أكبر اقتصادات العالم يعني الصين- لذلك ليس واضحاً لغاية الآن إذا ما كان السبب هو توقيت السياسات غير التقليدية أم إنّ التباطؤ العالمي اليوم هو الذي يرخي بظلاله ويجعل من هذه السياسات غير ناجحة لغاية الآن- وقد يكون سعر النفط المتراجع ساهم والى حدٍّ بعيد في عدم فعالية هكذا سياسات.

وللعلم فإنّ البنوك المركزية تنظر عادة الى تحركات السوق من أجل خطة متوسطة الأجل وإذا كانت تحرّكات الاوروبي في العام ٢٠١١ جاءت مع
ظروف اسعار نفط عالية ما ساعد على التضخم. ويبدو أنّ الصورة منعكسة اليوم مع اسعار نفط تدنّت الى مستويات غير مشهودة – وما يزيد الحال تعقيداً التداعيات المحتملة من الصين ومدى تأثيرها في التجارة.

لذلك قد يكون الخوف الأكبر من هذه التدابير هي وإن كانت مؤثرة على المدى القصير إلّا أننا قد نقترب وبشكل متزايد من نقطة تصبح فيها هذه السياسات غير فعالة وربما تولد نتائج عكسية ما لم تجرِ إصلاحات هيكلية تعزّز الهيكل الاقتصادي والمالي الاقليمي.

لذلك قد يكون المركزي الاوروبي استنفد كل الوسائل من تقليدية وغير تقليدية وقد يكون كلام دراغي عن استخدام كلّ ما يلزم ليس سوى محاولة منه لطمأنة المستثمرين من أنّ الاقتصاد الاوروبي سوف يُعاود زخمه. وهذه لن تكون سابقة فاليابان وفي العقدين الماضيين تعيش الظروف نفسها التي تعيشها اوروبا حالياً وما زالت تحاول جاهدة استعادة عافيتها علماً أنّ كلَّ ما جرى ولغايته باء بالفشل.

كذلك تغيّر قواعد المركزي الأوروبي من شأنه أن يواجه معارضة شديدة من بعض أعضاء المجلس والذي يضمّ ٢٥ عضواً كذلك قد يصطدم بعوائق قانونية كما يقول الاقتصاديون. هكذا نرى دراغي ومعه المركزي الأوروبي يواجه مأزقاً جديداً لا سيما وأنّ قلق المستثمرين من انخفاض اسعار الفوائد ونتائجها من أن تضرّ بالنظام المالي العالمي أكثر من أن تنفعه.

وهذا المأزق قد لا يكون له حلٌّ في القريب العاجل إنما يتطلّب إصلاحاتٍ عدة وعلى جميع المستويات الاقتصادية والمالية وفي هيكلية اوروبا الواحدة- وقد يلزم الأمر ذلك إعادة كتابة قصة اليورو والنظم المالية التي تخصّه.

فالمأزق الأوروبي شبيه والى حدٍّ بعيد بوضعية اليابان وما فشلت فيه اليابان وعلى ما يبدو، سوف تفشل فيه أوروبا مع فارق هو أنّ المصارف الأوروبية متعثرة وبشكل كبير وعندها الكثير من الديون الرديئة وعملية التيسير الكمي قد تُستنفد لا سيما من السندات الحكومية الألمانية قبل نهاية العام.

يبدو أنّ السياسات المتّبعة لحلّ المشكلات الاقتصادية والمالية باءت بالفشل والسبب قد يعود الى جملة عوامل جعلت من النموّ والتضخم حلماً يراود الأوروبيين واليابانيين على حدٍّ سواء، وليست له حلول قريبة الأمد.

بروفسور غريتا صعب.