إثارة الخوف من خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي مبالغ به؟

قد تكون الصناعة المصرفية في تحوّل كبير اذا ما صوت البريطانيون في حزيران المقبل للخروج من الاتحاد الاوروبي وسوف يكون للقرار أثر كبير على القطاع المصرفي البريطاني، وعلى الاقتصاد والتجارة العالمية.
قد يخسر الباوند من ١٠ الى ١٥ في المائة من قيمته في حال صوّت البريطانيون على الخروج من الاتحاد الاوروبي، كذلك قد يخسر الاقتصاد البريطاني ١،٥ بالمائة في حالة كهذه.

هذه التكهنات طبيعية في وضعية بريطانيا ومدى ترابط اقتصادها مع الاتحاد الاوروبي وقد تكون الامور اسوأ من ذلك وتؤدي في حال وقوعها الى خسارة بريطانيا لمركزها المالي القوي في اوروبا والعالم.

لكن هذه الامور دقيقة وقد لا تؤدي الى مخاطر، وشركات التصنيف سيما Moody›s لا تتوقع خفض تصنيف اي من المصارف البريطانية والمؤسسات التي تتخذ من لندن مقرًا لها حتى دون معرفة نتائج الاستفتاء سيما ان لندن تنعم بإطار تنظيمي قانوني كبير ومهارات عالمية وتضم نخبا من الموظفين.

لكن التكهنات تبقى غير واقعية في ظل ترابط بريطانيا مع الاتحاد الاوروبي سيما من ناحية القطاعات التصديرية والشركات التي حققت فائضا كبيرا في تجارتها مع بقية دول الاتحاد الاوروبي.

كذلك من المرجّح ان تتأثر المصارف التي سوف تتقدم بطلب للحصول على رخص جديدة للعمل في القارة الاوروبية، وهذا من شأنه ان يحد من جاذبية لندن ويؤثر سلبا على النشاط المصرفي والاقتصاد وكذلك على السوق العقاري. وسوف يؤثر التصويت على الاتفاقات التجارية ليس فقط مع الاتحاد الاوروبي بل ايضا مع الشركاء التجاريين الاخرين والتي قد تستغرق سنوات عدة لاعادة برمجتها.

لكن في المطلق لا أحد يعرف بالضبط ما الذي سيحدث اذا صوتت الملكة المتحدة لترك الاتحاد الاوروبي وان العملية قد تستغرق سنوات قد تكون المملكة خلالها قادرة على التفاوض من اجل الوصول بمصارفها الى الاتحاد الاوروبي.

لكن العملية اذا تحققت قد تؤدي الى جملة امور تؤثر وبشكل كبير على الاقتصاد والصناعة المصرفية واسواق العمل والعقارات رغم انه ومن غير المحتمل ان تفقد المملكة المتحدة ميزتها التفاضلية في الاعمال المصرفية الدولية بين ليلة وضحاها. وهي تمتلك عوامل عدة منها اللغة والقانون العام والمنطقة الزمنية بما يجعل منها مقرا مفضلاً للعديد من المصارف الكبرى.

على سبيل المثال، ورغم اقتراب الموعد المحتمل لـ Brexit فإن العديد من المصارف العالمية والتي اتخذت لندن مقرا رئيسيا لها لم تفكر في تغيير مركزها بعد حزيران.

ولسنوات عديدة، استخدمت المصارف الاميركية والسويسرية واليابانية البنوك في المملكة المتحدة كنقطة انطلاق مالي مع الاتحاد الاوروبي مستفيدين من ميزة بيع خدماتهم عبر ٢٨ دولة في الاتحاد دون الحصول على الموافقة التنظيمية في كل بلد على حدة. لذلك، تعتبر المملكة المتحدة محورا اوروبيا للمشتقات المالية والتجارة بالنقد الأجنبي.

حسب وكالة «فيتش»، تملك مؤسسات غير بريطانية نصف الاصول المصرفية في بريطانيا. وتبدو آراء المصارف متفاوتة نوعا ما، وفي حين ان العديد منها لا يريد البحث في امكانية حصول الـ Brexit الا ان حظوظ حدوثه قد تزايدت. وقد اظهر ذلك استطلاع اخير لـ Financial Times حيث ان ٤٣ بالمائة من المشاركين في الاستطلاع يفضلون البقاء في الاتحاد بينما يفضل ٤١ بالمائة ترك الاتحاد الاوروبي.

ويمكن للمرء ان يجادل منطقيا هكذا قرار. على سبيل المثال، يمكن لبريطانيا التحرك بطريقة افضل في معزل عن بيروقراطية معطلة في بعض الأحيان في الاتحاد الاوروبي، رغم ان الاتحاد قام بهدف تحسين الاقتصاد وزيادة رخاء المواطن وهما امران يستحقان النضال من اجلهما.

قد يواجه الاقتصاد البريطاني ضربة قاسية في حال تم الـ Brexit حسب وزير المالية البريطاني جورج اوسبورن، والذي حذّر انه سوف يكون الناتج اقل بنسبة ٦ بالمائة عمّا سوف يكون عليه لو بقيت المملكة داخل الكتلة، ويشاركه الرأي هذا العديد من المحللين لا سيما وان ترك الاتحاد سوف يضع المملكة في ظروف مختلفة كليا تتطلب منها اعادة برمجة علاقتها مع الاتحاد بشكل كامل.

اما الشكوك حول نتائج الاستطلاع فله اثر مخيف على نشاط الشركات التي تتراجع عن توظيف الاستثمار في القطاعات العقارية. والخوف هو عادة من المجهول وهذا اكثر ما يخيف المستثمرين الاجانب والمستثمرين عموما. وقد تسارعت الاراء حول نتائج هكذا استطلاع سيما أن صندوق النقد الدولي حذر من ان هكذا Brexit سوف يحدث خسائر لبريطانيا واوروبا عموما.

في دراسة استقصائية (٣٧٠ شركة اوروبية التي جرت مؤخرا اظهرت ان عددا لا بأس به اظهر تشاؤمه من الـ Brexit ، لذلك نلمس قدرا كبيرا من عدم اليقين بسبب الاستفتاء في انتظار ما سيحدث وما سوف يترتب عليه من امور اهمها وضعية المملكة على الساحة الدولية ومركزها المالي العالمي.

اما الامور الاخرى التي يمكن ان يؤدي اليها هكذا استفتاء هي دعم الحركات الانفصالية داخل اوروبا والتي تؤدي الى نوع من التفكك سيما بعد ما شهدته اوروبا عقب الانهيار المالي العالمي وقلق اوروبا في شأن مصارفها بشكل عام واقله وضعية ايطاليا المتعثرة. والـ Brexit ليست حالة طارئة انما نتيجة عدم فعالية الاتحاد الاوروبي بشكل عام وعدم تمكنه ولغاية الآن من حل مشاكله وتخطيها.

لا شك أن القرار النهائي وكيفما اتى سوف يؤثر سلبا على الاتحاد والحركات الاستقلالية ضمنه، كذلك سوف يؤثر على القطاع المصرفي الذي ما زال ولغاية الآن متعثرا، وايطاليا خير مثال على ذلك وتشكل مصدر قلق لاوروبا قد يكون اكبر بكثير من نتائج الـ Brexit.

جريتا صعب.