أسعار النفط خالفت التوقعات

تتحسن أسعار النفط الخام، منذ إخفاق لقاء الدوحة، حين اتفق المنتجون (السعودية وروسيا وفنزويلا وقطر) من «أوبك» وخارجها، على تثبيت الإنتاج عند مستوى كانون الثاني (يناير) الماضي. ورفضت إيران هذا التفاهم لأنها تنوي زيادة إنتاجها لنحو 4 ملايين برميل يومياً. وهو المستوى الذي وصلته قبل الحصار الدولي. في المقابل، رفضت السعودية الموقف الإيراني وقررت في مؤتمر الدوحة اللاحق ألا تشارك في تجميد الإنتاج، إلا إذا وافقت الدول المنتجة داخل «أوبك» وخارجها، بخاصة إيران، على هذه السياسة. وبالفعل، تعذر الوصول الى أي نتيجة حتى الآن، ما سيلقي بظلاله على مؤتمر «أوبك» الوزاري الاعتيادي المقرر انعقاده في فيينا أوائل حزيران (يونيو) المقبل.

توقعت الأسواق على ضوء هذا الخلاف السعودي-الإيراني أن تتدهور الأسعار الى القاع. لكن الذي حصل فعلاً، هو زيادة تدريجية في الأسعار من نحو 30 دولاراً للبرميل عند نشوب الخلاف في الأشهر الماضية، الى 49 دولاراً لبرميل نفط «برنت» في نهاية الأسبوع الماضي. وتخللت هذه الفترة التذبذبات المعتادة التي تزيد الأسعار أو تخفضها يومياً. لكن استمر الاتجاه العام في صعود تدريجي، على عكس ما حصل خلال السنتين الماضيتين من انهيار للأسعار.

ترتفع الأسعار حالياً في نطاق ضيق ما بين 45 و49 دولاراً الى أن تتضح تفاصيل «رؤية السعودية 2030»، وتتبين في شكل أوضح العوامل المؤثرة في ميزان العرض والطلب العالمي، ومدى إمكانية استمرار بعض هذه العوامل. والتكهنات السائدة في الأسواق تشير الى بلوغ 55 دولاراً، ونحو 60 دولاراً بحلول نهاية السنة.

يعود سبب هذه التكهنات الى انخفاض الإنتاج في كل من كندا (حرائق الغابات الهائلة في ولاية البرتا التي أغلقت حقول النفط الرملي) ونيجيريا (اعتداءات مسلحة على المنشآت النفطية في منطقة دلتا النيجر). وتزيد الإمدادات المتوقفة من البلدين على مليوني برميل يومياً.

في الأحوال الاعتيادية، كان توقف إنتاج هذه الكمية النفطية الضخمة يزيد أسعار النفط دولارات عدة بسرعة، لا في شكل طفيف وتدريجي كما هو حاصل الآن. لكن ما حدث هو أن الشركات سحبت من مخزونها التجاري الذي بلغ نحو 3 بلايين برميل. ويذكر أن إنتاج النفط في كل من ليبيا وفنزويلا تقلص في الوقت ذاته بسبب الاضطرابات في البلدين.

هذا بالنسبة للعرض. وبالنسبة للطلب، هناك زيادة طفيفة هذا العام في الطلب العالمي على النفط، خصوصاً من الهند التي تدفع حكومتها بنهضة صناعية، اذ تشكل زيادة الطلب الهندي نحو 400 ألف برميل يومياً اكثر من الطلب خلال العام الماضي. وتشكل هذه الزيادة نحو ربع الزيادة في الطلب العالمي على النفط خلال هذا العام.

في ظل هذه التطورات من نقص في الإنتاج لأسباب طارئة وزيادة في الطلب، لم تشكل زيادة إنتاج النفط الإيراني خطورة على الأسواق. لقد وصل إنتاج النفط الإيراني الى نحو 3.6 مليون برميل يومياً. ومن المتوقع أن يسجل مستوى 4 ملايين برميل يومياً خلال الأشهر المقبلة لفصل الصيف.

لكن ما هو معدل الإنتاج الفعلي الذي تنشده إيران على المديين القريب والبعيد؟ هل ستستطيع إيران زيادة الإنتاج أكثر من هذا المعدل في القريب العاجل؟

من الممكن لإيران، التي كانت تنتج نحو 6 ملايين برميل يومياً في نهاية السبعينات (آخر فترة عهد الشاه)، أن تعمل وتصل لهذا المستوى ثانية. لكن من المشكوك فيه أنها ستستطيع زيادة معدل إنتاجها دون التعاون مع شركات النفط الدولية. وكما هو معروف، تتفاوض هذه الشركات مع إيران منذ أشهر، حتى قبل رفع الحظر، للحصول على عقود لتطوير حقولها. لكن لم يتم توقيع أي عقد حتى الآن. والسبب هو أن الحرس الثوري يشغل صناعة النفط في البلاد ويسيطر عليها. والحرس قريب جداً من المرشد الأعلى علي خامنئي. إن أي انتقاص من الصلاحيات والأرباح التي يجنيها الحرس كمؤسسة نافذة في البلاد أو كأفراد ضالعين فيها، سيكون لها ارتداد على ميزان القوى السياسي الداخلي. كما أن الحرس موضوع على لائحة الإرهاب الأميركية، وقوانين المقاطعة لا تزال سارية عليه. من ثم، تتخوف الشركات الدولية من الولوج في الصناعة النفطية الإيرانية حالياً. ما يعني أن زيادة الإنتاج الضخمة المتوقعة ستتأخر كثيراً (بضع سنوات تقريباً). كما أن غالبية شركات النفط العالمية قلصت استثماراتها في تطوير الحقول بسبب انهيار الأسعار وتأثيره على موازناتها. لذا تأخرت الشركات الدولية في التعاقد مع إيران، على رغم الفرص المتاحة.

معروف أن إيران تحاول دائماً في منظمة «أوبك»، أن تحصل على الحصة الإنتاجية ذاتها (او «الكوتا») التي يحصل عليها العراق. لكن إنتاج العراق الحالي بلغ 4.6 مليون برميل يومياً وهو في ازدياد مستمر، في مقابل الإنتاج الإيراني البالغ 3.6 مليون برميل يومياً. من ثم، ستحاول إيران عرقلة الاتفاق في «أوبك» على نظام حصص جديد قبل أن يزيد إنتاجها. وهذا ممكن لأن القرار يحتاج الى الإجماع. ومن دون نظام حصص، ستستمر الخلافات في «أوبك».

والسؤال الثاني في الأسواق هو: الى أي مدى يمكن أن ترتفع الأسعار، بخاصة لأن صناعة النفط الصخري الأميركي ستنجح في جعل إنتاجها يستقر عند سعر 55 دولاراً لنفط غرب وسط تكساس. كما أن هذه الصناعة ستستطيع زيادة الإنتاج مرة أخرى في حال استقرار الأسعار ضمن نطاق 60-70 دولاراً لنفط غرب وسط تكساس. وإن أي زيادة كبيرة للنفط غير التقليدي مرة أخرى ستدفع الأسعار الى الانخفاض ثانية.

يبقى أن نعرف الى متى ستستمر انقطاعات الإمدادات من كندا، وما هي سرعة إخماد الحرائق وآثارها على الحقول والمنشآت الأرضية؟ ومتى يتم القضاء على العمليات العسكرية في حقول نيجيريا؟

وليد خدوري.