حتمية إرتفاع أسعار الفوائد

قد تكون الأسواق المالية متشائمة نسبياً وتقلّل من فرص زيادة اسعار الفوائد الاميركية في الفترة المقبلة رغم أنّ هنالك قراءات مشجعة وبوادر انتعاش في الربع الثاني مما يعني أنّ هنالك إمكانية للتحرّك في شهري حزيران وتموز المقبلين.
أكد دينيس لوكهارت رئيس مجلس الاحتياطي الفديرالي في اطلنطا، بعد قراءات مشجعة للتضخم وظهور بوادر انتعاش مقارنة بالربع الاول، امكانية رفع اسعار الفوائد. وفي مقابلة له مع الـ Financial Times قال لوكهارت إنه إذا كانت البيانات لا تزال مشجّعة فهو لا يستبعد هذا الأمر وإن كان احتمال رفع اسعار الفوائد في حزيران منخفضاً.

هذا وقد يكون الاستفتاء البريطاني يلقي بثقله لا سيما وأنه سوف يحصل بعد اسبوع فقط من اجتماع الفديرالي الاميركي ما يعني أنه من المستبعد أن يتحرّك الفديرالي في خطوة أكثر ما سوف تؤدّي اليه هو زعزعة الأسواق وسوف تكون امراً محفوفاً بالمخاطر مما يترك الباب مفتوحاً حول ما إذا كان شهر تموز افضل لا سيما وأنّ العديد من البيانات الاقتصادية التي تغطي الربع الثاني تكون قد ظهرت كذلك معرفة نتيجة الاستفتاء في بريطانيا- والغموض يكتنف ايضاً الوضع السياسي الاميركي مع قرب انتخابات الرئاسة الاميركية في تشرين الثاني المقبل ما يعني ظروفاً غير عادية وقد تؤثر في الاسواق المالية وتنعكس على مسار السياسة المالية للفديرالي الاميركي.

وهذا ينعكس حكماً على مواعيد الزيادات ويجعل من الصعب التكهن في توقيتها رغم أنّ لوكهارت قال إنه لا يستبعد زيادة في حزيران المقبل ويشاركه الرأي John Williamsرئيس الاحتياطي الفدرالي في سان فرنسيسكو كذلك Robert Kaplan رئيس الفديرالي في دالس- وآراؤهم مهمة لا سيما وأنّ الرجال الثلاثة يمثلون آراء صانعي السياسة رغم انهم حالياً لا يصوّتون في اجتماعات الاحتياطي الفدرالي- ويعزّز هذا الاتجاه قول مسؤلي مجلس الاحتياطي الفديرالي انهم يتوقعون زيادة بنسبة نقطة مئوية واحدة هذا العام وقد يكون ذلك لمنع الاقتصاد من السخونة الزائدة- هذا والمستثمرون يشككون في ذلك و٣٢٪‏ منهم فقط يرون احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفديرالي سعر الفائدة الى ١ بالمئة أو اكثر بحلول نهاية هذا العام.

وبالمطلق فإنّ أسعار الفوائد تبقى والى حدٍّ بعيد متعلّقة بإشارات بشأن الاقتصاد الاميركي ولكن ومنذ نيسان أظهرت قراءات التضخّم ونموّ الأجور وقطاعا الصناعة والاسكان تزايداً دفعت بصانعي السياسات الى التطلّع بجدّية نحو احتمال هذه الزيادة في شهري حزيران او تموز المقبلين واذا ما رؤوا انهم بحاجة الى مزيد من المعلومات يمكنهم الانتظار قليلاً ريثما تنجلي الامور داخلياً إن كان على صعيد الانتخابات الاميركية او على صعيد الاستفتاء البريطاني.

كذلك اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة FOMC حذفت من صيغتها الماضية «أنّ التطوّرات الاقتصادية والمالية العالمية لا تزال تثير المخاطر» واستبدلتها بأنّ المسؤولين يراقبون وعن كثب الوضع العالمي وفقاً لما جاء في بيان صدر يوم الاربعاء عقب اجتماع استمرّ يومين في واشنطن أبقى على اساسه الاحتياطي الفديرالي الفائدة من دون تغيير. وهنا وجب التنويه أنّ التغيير في نمط حديث الفديرالي يعكس الراحة في أنّ التأثيرات العالمية تبدو تحت السيطرة اكثر من السابق.

والبيانات هذه عادة ما تؤثر وبشكل واضح على المستثمرين والاسواق المالية التي تترقب وبدقة بيانات الفديرالي وتحاول من خلالها التنبؤ بإمكانية هذه الزيادات في المدى القريب.

هذا، وتحرّكت الاسواق بشكل يتناسب مع هذه التطلّبات لا سيما وأنّ ما يدفعه الأميركيون على السلع والخدمات شهد أسرع زيادة منذ أكثر من ثلاث سنوات مع ارتفاع تكلفة الغاز والغذاء والإيجار والرعاية الصحّية ولكن مؤشر اسعار المستهلك لم يزد إلّا بنسبة ١.١ بالمئة خلال الاشهر الاثني عشر الماضية ويبقى أقلّ بكثير من نسبة ٢ بالمئة المرجوّة من الاحتياطي الفدرالي. هذا ولا يزال العديد من المستثمرين عند شكوكهم فيما إذا كان النموّ الاقتصادي قوياً وكافياً لكي يقوم الفديرالي برفع أسعار الفوائد قريباً.

لذلك قد يكون ارتفاع الفوائد في حزيران أو تموز المقبلين يبقى متعلّقاً بتقييم الأحوال وسوف يعتمد هكذا قرار على البيانات الاقتصادية التي تظهر حتى حلول اجتماع الفديرالي في منتصف حزيران المقبل.

ويبقى أمر تقييم المخاطر وما يسمّيه صانعو السياسات بتوازن المخاطر والتي أُزيلت في كانون الثاني الماضي وسط اضطراب الاسواق المالية.

وقد لا تأتي هذه التحرّكات وزيادة الأسعار في مطلع الصيف الحالي لا سيما وكما سبق وذكرنا أنّ أموراً سياسية مهمة عدا عن الاقتصادية تؤثر بالوضع العالمي وقد تجعل من السابق لأوانه الحديث عن هكذا تحرّك والذي قد يحصل قبل نهاية السنة حتماً إذا ما بقيت البيانات الاقتصادية مشجّعة وإذا ما جاءت النتائج السياسية موافقة للتطلّعات.

ولكن ورغم كلّ شيء لمَن يراقب تحرّكات الاحتياطي الفديرالي يرى أنّ اميركا قلما تاثرت بالاجواء العالمية واكتفت بمراقبة مؤشراتها الاقتصادية الداخلية وقد لا تعلّق كثيراً على الاستفتاء البريطاني رغم ما سوف يتأتّى عنه من مخاطر في الاسواق الاوروبية إنما سوف يتطلّعون كما دوماً الى بياناتهم الاقتصادية الداخلية من دون رصد التقلبات في الاسواق العالمية قبل التصويت.

لذلك تبقى مسألة رفع أسعار الفوائد متعلّقة والى حدٍّ بعيد ببيانات اقتصادية داخلية وتبقى الاسواق المالية تتفاعل مع هكذا بيانات ما يؤثر حتماً على قرار الفدرالي في الدرجة الاولى وعلى الاقتصاد العالمي بالدرجة الثانية- وجانيت يلين وإن كانت استندت الى نموّ الوظائف القوي قبل أوّل زيادة منذ عشر سنوات للفوائد اصرّت على إعلان توقّعات «تدريجية» وفي وتيرة الارتفاع لهذا العام ما يؤكّد حتمية رفع الفوائد دون التطلّع الى الامور السياسية على الساحة الداخلية والدولية.

بروفسور غريتا صعب.