النظام المالي الدولي وأسعار النفط

بدأت تظهر حديثاً تعليقات جدية لاقتصاديين ومسؤولين دوليين بينهم رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد بان العالم قد يواجه ازمة مالية واقتصادية تماثل ما واجهه عام 2008.
ان هذه المخاوف تبعث على التفكير جديًا في أسبابها وفي امكانات تفادي تفجر أزمة كتلك. من المعلوم ان تأثيرات الازمة الاخيرة تم احتواؤها دون معالجة اسبابها، وان هيكلية النظام الاقتصادي والمالي العالمي حاليًا هي أضعف مما كانت قبل ستة أعوام، فمعدل نمو الدخل القومي سنويًا في أوروبا لا يبلغ 2 في المئة وربما بلغ نمو معدل الدخل القومي في الولايات المتحدة 2.5 في المئة، في حين أن معدل نمو الدخل القومي في الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تدنّى من 9.5 في المئة عام 2008 الى 6.5 في المئة عام 2016 اي بنسبة 3 في المئة. وحجم هذا التدني يكاد يوازي حجم النمو المتوقع في أوروبا. وهكذا فان الاقتصاد العالمي يشكو من تقلص في حجم الدخل، خصوصاً ان البلدان المصدرة للنفط والغاز، سواء منها بلدان الشرق الأوسط، او روسيا، البلد الاوفر تصديرًا للمادتين، شهدت تقلصًا في حجم الدخل القومي وحجم التجارة العالمية وتوافر الموارد المالية، وتحولت موازناتها من الفائض الى العجز.
يضاف الى كل هذه الاسباب، وربما نتيجة لها، ان معدلات التضخم انحسرت الى حد بعيد، فهي دون 1 في المئة في أوروبا الغربية، ودون 2 في المئة في بريطانيا، والمصرف المركزي الاوروبي يضخ السيولة للمصارف ويشتري سندات الحكومات من أجل دفع النشاط ورفع معدلات التضخم ولكن من دون نتيجة.
لقد باتت المصارف المركزية عاجزة عن معالجة الانكماش الاقتصادي، والولايات المتحدة وحدها اضافة الى المانيا استطاعت خفض معدلات البطالة الى نسب تراوح حول 5 في المئة، في حين أن بقية البلدان الأوروبية تعاني معدلات بطالة تراوح وسطيًا بين 10 في المئة في فرنسا، و20 في المئة في اسبانيا، وأكثر من ذلك في اليونان التي لم تفلح المعالجات السخية حتى تاريخه في دفعها نحو النمو وإيجاد فرص العمل، وقد تقلص الدخل القومي في اليونان خلال خمسة سنوات بنسبة 27 في المئة وهي نسبة بالغة الارتفاع.
وأخطار الازمة المالية العالمية المقبلة، لا سمح الله، ماثلة في الاقتصاد الاميركي، وهي معلقة على أسعار النفط والغاز كما هي معدلات التضخم التي تضاءلت الى حد بعيد نتيجة انخفاض اسعار الطاقة بقوة وبسرعة غير منتظرة اواخر عام 2014 وحتى نهاية عام 2015.
لماذا الازمة الممكن توقعها معلقة على أسعار النفط والغاز؟
الجواب يبدأ من أسباب تراجع أسعار النفط والغاز والدوافع وراء الانخفاض السريع. معلوم ان اكتشافات كميات ضخمة من الغاز في صخور الطفال في الولايات المتحدة ساهمت في كفاية الولايات المتحدة حاجاتها من الغاز الذي يغطي نسبة 32 في المئة من استهلاك الطاقة، وهذه أعلى نسبة في العالم، وارتفع انتاج النفط من صخور الطفال ما يساوي 4.5 ملايين برميل يومياً خلال ثلاث سنوات، فانحسر استيراد الولايات المتحدة للنفط، باستثناء كندا التي هي شريكة في منطقة التجارة الحرة في اميركا الشمالية والتي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وانتاج النفط في الولايات المتحدة بدأ يتقلص بحيث انخفض بمعدل 900 ألف برميل يوميًا، ما يوازي نسبة 9 في المئة، والسبب في الانخفاض ان تكاليف الانتاج من العديد من آبار النفط المكتشفة في الصخور تفوق مستوى 40 و50 دولارًا التي باتت اليوم الأسعار السائدة، بعدما تراجعت الى ما دون 30 دولارًا.
وأدى انخفاض انتاج النفط الى تسريح عشرات الآلاف من العاملين في حقول الانتاج، والى توقف نسبة 30 في المئة من منصات الحفر عن العمل، وربما الاهم من ذلك ان ديون الشركات المعنية التي توقفت عن الانتاج أو هي تابعت الانتاج بخسارة على أمل استعادة الارباح بعد ارتفاع الاسعار، مدينة للمصارف الاميركية بما يوازي 1.2 تريليون دولار، وهناك حتى تاريخه تأخير في إيفاء 200 مليار دولار وينتظر، حتى بعد ارتفاع اسعار النفط اخيرًا، ان يرتفع رقم الديون المشكوك في تحصيلها الى 250 مليار دولار.
تكفي مراجعة ارقام ميزانيات المصارف الاميركية الكبرى لعام 2015 كي يظهر ان احتياطات هذه المصارف للقروض لشركات انتاج النفط والغاز من صخور الطفال تجاوزت 50 مليار دولار. ويذكر ان الديون الهالكة تتزايد مثل كرة الثلج حين تتوسع حلقة الخسائر للمنتجين، وربما لهذا السبب شهدنا ارتفاعًا لسعر النفط من 28 دولارًا للبرميل الى 50 دولارًا أي بنسبة 78 في المئة خلال وقت قصير. ومن المفيد الاشارة الى ان أحد كبار هذه الصناعة الذي طور شركة ما بين 2011 و2014 حققت ارباحًا بلغت مليار دولار سنويًا، انتحر قبل ارتفاع الاسعار بدفع سيارته الى الارتطام بحائط حجري وكان نزع حزام الأمان فقضى عن عمر لا يتجاوز 51 عامًا.
إن تفادي السقوط في هاوية ازمة مالية واقتصادية مخيفة يستوجب استمرار ارتفاع اسعار النفط وتجاوز المستويات الحالية الى ما يساوي 60-70 دولارًا للبرميل خلال الاشهر الستة إلى التسعة المقبلة، وإن وضعاً كهذا يسمح باستمرار خدمة غالبية ديون الشركات المنتجة من غير ان تدفعها الى الاسراف في التفاؤل. كما أن ثمة شروطاً اضافية للنجاة من الازمة المقبلة تتمثل بما يلي:
– أسعار أعلى للنفط والغاز تراوح بين 60 و70 دولارًا للبرميل وما يوازيه من الطاقة الحرارية المنتجة من 6000 قدم مكعب من الغاز.
– تحقيق السلام في العراق وسوريا بحيث تتفتح فرص اعادة اعمار البلدين، ولو كان ذلك على مدى عشر سنين وبتكاليف تتجاوز 400-500 مليار دولار، وحينئذٍ يتحسن وضع لبنان على أكثر من صعير، مصرفيًا، سياحيًا، خدماتيًا واجتماعيًا وسياسيًا.
– البدء بترفيع تجهيزات انتاج النفط والغاز في ايران وهذا العمل يحتاج الى سنوات، ومع تقدمه تتوسع حلقة الانتاج والسوق الايراني بما فيه منطقة الشرق الاوسط والمجتمع الدولي.
– الغاء حق الفيتو على القرارات الرئيسية لصندوق النقد الدولي المحصور بالولايات المتحدة وبريطانيا حتى تاريخه.
– خفض مستوى التشنج بين الولايات المتحدة والصين تفاديًا لافتعال أزمة مالية عالمية بتسييل الصين سندات الدين الاميركية التي تحوز منها أكثر من 3 تريليون دولار. وبالطبع فشل دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الاميركية.

مروان اسكندر.