معتوه يقرر مصير العالم. يومان عصيبان. ننصح بالتعقل والحذر

نادرا ما كانت الاسواق متجهة على هدي السياسة كما هو حالها اليوم. نادرا ما تأثرت بحدث واحد يجري في منطقة ما فتمتد المخاوف منه لتشمل كل بقاع الارض. استفتاء في بريطانيا تخشى منه السوق الصينية، وتتحسب له الاميركية، وتجفل الاوروبية. متى سيقدّر للأسواق أن تعود أسواقا؟

مصرع نائبة بريطانية هزّ العالم بأسره. مصرع المئات يوميا لا يكترث له أحد! انه المال بتسمية مخادعة اسمها الاقتصاد. انها الديمقراطية باجراءات مخادعة اسمها الاستفتاءات.

مصرع النائبة البريطانية قلبت المقاييس بنسبة عالية، فبات الفريق المؤيد لبقاء بريطانيا عضوا في الاتحاد الاوروبي مؤمّلا التفوق في الاستفتاء. هذا يدعو الى التفكير. أيّ إستفتاء هذا؟ أية جماهير هي هذه التي تبدّل رأيها بين ساعة وأخرى بمؤثرات انفعالية لا تمت الى التفكير والتعقل بصلة. مقتل نائبة في البرلمان على يد ما بات يسمى معتوها وعنصريا من شأنه ان يقرر مستقبل بريطانيا ومن خلفها اوروبا. من يسمونه معتوها يمثّل شريحة واسعة من المجتمع البريطاني طربت وهلّلت لما فعله المعتوه. الديمقراطية تفترض اجابات شعب على اسئلة واضحة، وبعد ان يكون قد اطلع على الوضع بشكل معمّق وعقلاني. أين هو هذا الشعب المحلل والمتبصر؟

الديمقراطية تفترض اجابات العقلاء العارفين بالمخاطر التي قد تترتب على اجاباتهم. السؤال الاخير: لو ان هذا المعتوه لم يفعل فعلته، من كان ليضمن  عدم تقريره مستقبل العالم، وفي صندوق الاقتراع؟ ( – وحده، أو بمعونة زمرة معه  لا يتعدى عددها الخمسة أو العشرة من المعتوهين أمثاله  – )… ومن يضمن عدم حدوث هذا في استفتاء الخميس، فيتفوق دعاة الطلاق بنسبة ضئيلة جدا من الاصوات، لا شك بأن أصحابها معتوهين…!

ثم لا ننسى: لو جرى الاستفتاء مباشرة بعد حادثة القتل لربح حتما فريق النائبة المقتولة. الايام السبعة التي تفصل الحادثة عن يوم التصويت كفيلة بأن تعيد الامور الى ما كانت عليه قبل الحادثة. الجماهير تنسى مع مرور الايام وتعود المشاعر الذئبية العدوانية ( المعتوهة)، لتحلّ محل التعاطفية الانسانية من جديد. الاستفتاءات الجديدة لم تعد تدل على تفوّق دعاة البقاء في الاتحاد، والباب مفتوح على كلّ الاحتمالات؛ ولو اننا لا نزال من جهتنا على ترجيح بأن الله لن يقدّر خيار الطلاق، فيكون بعده فرط عقد الاتحاد الاوروبي تدريجيا. بالطبع هذا هو السيناريو الاكثر سوداوية، ولكن احتمال وقوعه وارد ايضا. نتوكل على الله اذا، ونأمل ان يعود التطبيع الى الاسواق صباح الجمعة، ويصير بالامكان فهم ماهية التحرك لأن الاسواق تكون هي قد عرفت الوجهة التي تسعى اليها.

ليس المستثمر او المتداول وحده في حالة انتظار وترقب وغموض. ايضا سادة البنوك المركزية هم في هذه الحالة. جانيت يللن تراقب على مدار الساعة بحسب قولها وهي تربط سياستها النقدية المستقبلية بالنتائج. ماريو دراجي لم يخفِ قلقه وتحسبه وجهوزيته لمواجهةللمستجدات الكارثية المحتملة. هو يقول ان سلاحه حاضر للمواجهة، ولكن بداية المعركة سهلة ونهايتها تبقى في المجهول.

في هذه الاوقات الصعبة ندعو الى اليقظة حول اليورو، وبنسبة لا تقل عن اليقظة بالنسبة للاسترليني. اليورو كان لينهار حتى ولو ان اوروبا استمرت، فكيف اذا لو ان اوروبا انهارت. أوروبا بدون يورو خيار ممكن؛ يورو بدون أوروبا خيار مستحيل.  نخشى على اليورو أكثر مما نخشى على الاسترليني. حظ الاسترليني بالاستمرار مضمون بالحالتين . لهذا نتحسب لخطورة الرهان على انهيار كبير له في حالة الطلاق. كلام جورج سوروس عن استرليني مقابل الدولار حول ال 1.2000 نتحفظ عليه بشدة، ونرى انه من المبكر التقدير بهذا الشكل، الا لمن شاء استغلال سمعته في السوق للتاثير عليه. لعل السيد جورج سوروس يحلم بلعبة مافياوية جديدة على غرار تلك التي لعبها في العام 1992، وهو يحشد لها الان. لعبة قذرة متجاهلا تبدّل الاحوال اليوم…!

ما ننصح به في هذين اليومين العصيبين هو الاستمتاع بالمراقبة. من شاء الرهان فبعمليات صغيرة جدا؟ فقط حتى لا يخرج من المياه، فينسى فنّ السباحة.