اليوم يعيد التاريخ البريطاني نفسه

أزعم عادة أن عناصر الطبيعة ضدي. هذه المرة أزعم أنها معي، فالتصويت اليوم في بريطانيا على البقاء في الاتحاد الاوروبي أو الإنسحاب منه، وأنا سأفوز بغضّ النظر عن النتيجة. إذا قرر البريطانيون البقاء في الاتحاد الاوروبي فهذا ما أريد، وإذا قرروا الانسحاب فسيخسر ديفيد كامرون رئاسة الوزارة، وهذا ما أريد أيضاً.

بعض الخلفية قبل أن أكمل، السوق الأوروبية المشتركة أسستها ست دول سنة 1957، ولم تحاول بريطانيا الإنضمام في البداية، وإنما دخلت جماعة أخرى، وثبت أن المستقبل للسوق فحاولت بريطانيا الدخول ومانع الجنرال شارل ديغول، الرئيس الفرنسي في حينه، فهو كان مستاء من معاملة بريطانيا له خلال الحرب العالمية الثانية. ديغول إنتُخِب رئيساً سنة 1958، وأعيد انتخابه سنة 1965، واستقال سنة 1969 عندما فشل في استفتاء وتوفي سنة 1970.

بريطانيا دخلت السوق المشتركة سنة 1973، والسوق أصبحت الاتحاد الاوروبي سنة 1993. ما أشبه اليوم بالبارحة، فرئيس وزراء بريطانيا كان هارولد ولسون، وبريطانيا لم تدخل السوق حتى أخذت تفاوض على تعديل شروط انضمامها، وأجرت حكومة ولسون استفتاء في 5/6/1975 على البقاء أو الانسحاب، فأيّد البقاء 17 مليون بريطاني مقابل ثمانية ملايين راغب في الانسحاب. ولم تحصل حكومة ولسون إلا على أقل قليل وهي تفاوض على تعديل شروط انضمامها.

مرة أخرى، ما أشبه الليلة بالبارحة، فحكومة ولسون انقسمت على نفسها بين مؤيد للبقاء وراغب في الانسحاب، كما أن حكومة ديفيد كامرون منقسمة على نفسها. الذين يؤيدون الانسحاب اليوم يريدون في الواقع أن يتسلموا المناصب التي يشغلها طلاب البقاء في تكرار للوضع قبل 41 سنة.

أنتقل الى يومنا هذا، والاستفتاء كله لا يستحق أن تُقتل بسببه النائب العمالية جو كوكس. كانت نجمة صاعدة في دنيا السياسة وخبا نجمها. الموضوعية تقضي بأن أسجل ان للبقاء فوائد كما ان للانسحاب فوائده. غير أن الجدل السياسي البريطاني عقيم ومضلل، وعندي أمثلة:

– كامرون سأل مَنْ سيسعَد إذا تركنا الاتحاد الاوروبي؟ وأجاب: بوتين وأبو بكر البغدادي. أسأل أنا لماذا يسعد البغدادي؟ هل هو غاضب على توزيع حصص صيد السمك بين دول الاتحاد؟

– نايجل فاراج، زعيم حزب الاستقلال البريطاني، وهو مؤيد للانسحاب، قال إن ملايين المهاجرين سيتدفقون على بريطانيا، وبينهم مَنْ يتحرشون بالنساء أو يمارسون الاغتصاب، وقد رأى الجميع فِعلَ المهاجرين في محطة قطار كولون. هو يأخذ الجميع بذنب قلّة قليلة.

– بوريس جونسون الذي يقود جناح الانسحاب قال إن دعوة باراك اوباما للبقاء في الاتحاد الاوروبي ربما كان سببها أصله الكيني وحقده على الإستعمار البريطاني.

الهجرة موضوع مهم فهناك مليونان أو أكثر من العاملين في بريطانيا اليوم، وهم من دول أعضاء في الاتحاد الاوروبي. غير أن هناك 1.2 مليون بريطاني يعملون في دول الاتحاد الاوروبي. طبعاً إذا انسحبت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي فهي تستطيع الحدّ كثيراً من هجرة العمالة الاوروبية والمهاجرين من سورية وغيرها. إلا أن بريطانيا عاصمة مالية عالمية تنافس نيويورك، وكل ما قرأت عن هذه النقطة يقول إن الانسحاب يعني أن تترك البنوك الدولية لندن، ما ينعكس على الاقتصاد البريطاني ككل، بزيادة الصعوبات أمام الصادرات البريطانية الى دول الاتحاد طالما أنها أصبحت خارجه. مدى أهمية هذه النقطة تتضح إذا سجلنا أن الاتحاد يضم 508 ملايين نسمة في دوله الثماني والعشرين، وأن إنتاجه السنوي في حدود 17 ترليون دولار. الانسحاب يعني إغلاق الباب في وجه بريطانيا، وهبوط سعر الجنيه مقابل العملات الرئيسية.

الاستفتاء اليوم وأنا سأكسب، بقي البريطانيون في الاتحاد الاوروبي أو انسحبوا.
جهاد الخازن.