الخروج البريطاني من أوروبا..تداعيات مُثلّثة الأضلع

هكذا قرّر البريطانيون الخروج من الإتحاد الأوروبي و»إستعادة سيادتهم» كما يقولون. وإذا كانت التداعيات على سوق العملات فورية، إلا أن هذا القرار له تداعيات سياسية وإقتصادية وإجتماعية لن تتأخر في الظهور كما سيظهر في هذا المقال.
من أبرز أسباب الرفض البريطاني للاتحاد الأوروبي تحميل الرأي العام البريطاني القوانين التي تفرضها بروكسل على دول الإتحاد مسؤولية التراجع الاقتصادي في بريطانيا.

هذه القوانين، وبحسب الرأي العام البريطاني، منعت الشركات البريطانية من النمو كما يجب وبالتالي زادت البطالة في المجتمع. هذه البطالة زادت بنسبة كبيرة أيضاً مع القوانين الأوروبية التي سمحت لعمّال دول الإتحاد بالعمل في بريطانيا وبالتالي منافسة اليد العاملة البريطانية وما لذلك من تداعيات إجتماعية هائلة خصوصاً في المناطقة التي صوتت لمصلحة خروج بريطانيا من الإتحاد. وتفاقم الوضع أكثر مع أزمة الهجرة السورية التي عصفت بأوروبا مع حلم كل مهاجر سوري بالوصول إلى بريطانيا.

صوّت البريطانيون لمصلحة الخروج من الإتحاد الأوروبي ولو بفارق ضئيل (51.9% للخروج و48.1% للبقاء). هذا الأمر أصبح واقعاً يجب التعامل معه لأنه لن يكون بقدرة أي مسؤول بريطاني الوقوف في وجهه بحكم أنه يُمثل قرار الشعب أعلى سلطة في الأنظمة الديمقراطية حتى ولو كان هناك من مخارج قانونية للطعن فيه. فماذا سيحصل الأن؟

تنص المادة 50 من معاهدة الإتحاد الأوروبي على أنه على الدولة العضو التي تنوي الخروج من الإتحاد، أن تُعلم الإتحاد برغبتها في رسالة خطية وتفرض على الإتحاد فترة عامين من المُفاوضات على آلية وشروط الخروج من الإتحاد مع هذه الدولة. على إثر هذه الفترة يقوم الفريقان بتنفيذ شروط الخروج بحسب الآلية والشروط التي تمّ وضعها خلال المفاوضات.

هذا يعني عملياً أن هناك فترة 5 إلى 7 سنوات أمام بريطانيا للخروج الكلّي من الإتحاد الأوروبي أي أن العملية فيها نوع من الإستمرارية بما يُلائم الأسواق المالية والإقتصادية.

تداعيات القرار البريطاني بالخروج من الإتحاد الأوروبي هي تداعيات ثلاثية الأبعاد تطال الشق السياسي، الاقتصادي والإجتماعي.

التداعيات السياسية

على الصعيد السياسي، أدّت نتيجة الإستفتاء البريطاني إلى تقديم رئيس الوزراء البريطاني إستقالته التي ستصبج نافذة في تشرين الأول 2016. وإذا كان هذا الأمر طبيعيا في الديمقراطيات، إلا أنه تاريخياً كان هناك إنقسام في حزب المحافظين في كل مرّة فقد الجنيه الإسترليني من قيمته كما حصل في العام 1931 خلال الأزمة الاقتصادية الكبرى، حيث أدّت الأزمة المالية في بريطانيا إلى خفض قيمة الجنيه الإسترليني وبالتالي إضطرّت الحكومة إلى الإستقالة مع فوضى كبيرة في الطبقة السياسية.

كذلك الأمر في العام 1967، حيث إنخفض سعر صرف الجنيه بشكل كبير دفع بالحكومة البريطانية إلى الإستقالة ونتجت عنها هزّة في الحياة السياسية البريطانية. ولا يُمكن نسيان الأربعاء الأسود في العام 1992 حين أضطرّت بريطانيا إلى الخروج من الآلية الأوروبية للفوائد التي سبقت خلق اليورو وبالتالي فقدت بريطانيا مصداقيتها أمام نظرائها الأوروبيين ومنعتها من الدخول إلى الإتحاد النقدي.

التداعيات الاقتصادية

على الصعيد الاقتصادي، وصل الجنيه إلى أدنى مستوياته منذ العام 1985. أيضاً فقد اليورو من قيمته مقابل الدولار الأميركي حيث هبط من 1.1420 إلى 1.1052 دولار لليورو الواحد. في حين إرتفع الين الياباني بشكل ملحوظ حيث لامس الـ 99 ينا للدولار الواحد مقابل 107 في بداية جلسة التدوال.

من المُتوقع أن يشهد الاقتصاد البريطاني تراجعاً في الإستثمارات نتيجة خوف وتردّد المُستثمرين من تداعيات الخروج من الإتحاد. هذا الأمر يأتي نتيجة إنسحاب العديد من المُستثمرين الذي إستثمروا أصلاً في بريطانيا نظراً لقربها من السوق الأوروبي (480 مليون مُستهلك) ونظراً لتجانّس القوانين البريطانية مع القوانين الأوروبية.

أيضاً من المُتوقع أن ينخفض الطلب على العقارات بشكل ملحوظ حيث يتوقع المُحللون إنخفاض أسعار الشقق في العامين المُقبلين مما يعني ضربة للإقتصاد البريطاني الذي يُشكل فيه قطاع العقارات دوراً أساسياً. أيضاً من المُتوقع أن تُعاني بريطانيا من نقص في اليد العاملة نتيجة الحد من الهجرة التي ستكون من أولويات الحكومات التي ستأتي إلى سدة الحكم مع المزايدات من قبل الأحزاب السياسية لربح الانتخابات.

أما على صعيد التبادل التجاري مع دول الإتحاد – الشريك الأول – فمن المُتوقع أن ينخفض حكماً مع إعادة البحث في القواعد التجارية بين الإقتصادين خصوصاً أن الشروط لن تكون سهلة كما هي الحال مع النروج. وبالتالي من المُتوقع أن ينخفض الناتج المحلّي الإجمالي لبريطانيا بنسبة 8% في حلول العام 2030 على أن تدخل بريطانيا في ركود إقتصادي إبتداءاً من العام المُقبل.

أوروبياً، يُشكل خروج بريطانيا من الإتحاد تراجعاً حتمياً للتبادل التجاري معها وبالتالي سيكون هناك تداعيات على الناتج المحلّي الإجمالي. إلا أن الواقع سيكون أخف بكثير في دول الإتحاد التي يبلغ حجم السوق فيها 480 مليون مُستهلك وبالتالي سيكون لها قدرة النمو من جديد.

على صعيد اليابان، شكل ارتفاع سعر صرف الين مقابل الدولار الأميركي ضربة للصادرات اليابانية التي ستنخفض حكماً خصوصاً أن المصرف المركزي الياباني لم يعد يملك أي هامش تحرك في سعر الفوائد.

التداعيات الإجتماعية

إجتماعياً، سيكون لخروج بريطانيا تداعيات مباشرة على المهاجرين الأجانب في بريطانيا وخصوصاً المُصنّفين في خانة الأصوليين. وبالتالي من المُتوقع أن يكون هناك تصويت في البرلمان البريطاني على قوانين تُعيد المُهاجرين غير الشرعيين إلى بلادهم كما وسحب الجنسية البريطانية من الأشخاص الذين يقومون بأعمال مُخالفة للقوانين البريطانية (إضافة إلى ترحيلهم).

كما ستنغمس بريطانيا أكثر في سياسة التطرّف تحت تأثير تصويت المناصرين للأحزاب الوطنية المُتطرفة ما يجعل من وجود اليد العاملة الأجنبية في بريطانيا أمرا صعبا، وبالتالي سيتمّ عزل هذه اليد العاملة في مجتمعات مراقبة من قبل الشرطة في بلد لا يوجد فيه إندماج إجتماعي بين مختلف طبقات المُجتمع البريطاني.

في الختام لا يُمكن القول إلا أن نهار 23 حزيران 2016 هو يوم مشؤوم يضرب الفكرة التي قام على أساسها الإتحاد الأوروبي، ألا وهي بناء مجتمع أوروبي خالٍ من الحروب والتي دفع ثمنها الأوروبيون عشرات الملايين من القتلى.

بروفسور جاسم عجاقة.