اوروبا تدخل بعد خروج بريطانيا نفق الغموض الطويل

بعد أكثر من اربعين سنة خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي واضطربت الاسواق المالية وتراجعت العملات وانخفض مؤشر فوتسي ، وهو الذي يعتبر وفي بعض الاحيان مؤشرا واضحا عن نبض الاقتصاد العالمي.
الى الاضطرابات في الاسواق التي أعقبت الـBrexit عمدت وكالات التصنيف الى خفض درجة الجدارة الائتمانية لبريطانيا. أضف الى ذلك ما قاله صندوق النقد الدولي في تقريره السنوي عن التوقعات الاقتصادية البريطانية محذرا من أن الـ Brexit هو اكبر المخاطر التي تواجه بريطانيا حاليا. كذلك جاء رد الاقتصاديين على هذا التصويت سريعا وقاسيا لا سيما وانهم خفّضوا توقعات النمو في العالم ولسنين عديدة.

ويتوقع روب رود احد الاقتصاديين في بنك اوف اميركا ميريل لينش انكماش الاقتصاد البريطاني في الربع الثالث من السنة الحالية وحتى مطلع العام المقبل. كذلك تراجعت توقعات النمو للعام ٢٠١٧ من ٢،٣ بالمائة الى ٠،٢ بالمائة. ودائما و حسب «رود» تبقى المسألة الاهم هي الغموض الذي يحيط بمستقبل السوق الواحدة ومن سيكون التالي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد.

لذلك قد يكون المشهد العام وفي الوقت القريب متشائماً سيما وان الغموض وعدم اليقين ما زال يخيّم على الواقع، كذلك الشكوك حول مستقبل بلد يشتهر بالاستقرار السياسي والقانوني. كذلك المستقبل السياسي لبريطانيا بعد استقالة كاميرون ورئيس الوزراء المقبل ما زال غير معروف.

في مواجهة هذا الغموض من المحتمل ان تستمر الشركات في تجميد استثماراتها، وقد ينسحب الوضع على المستهلكين، وعلمًا ان تراجع الباوند والذي من شأنه زيادة الصادرات لم يأت بنتيجة تذكر ولم يساهم حتى الان في امتصاص الضربة، كما كان انخفاضه في العام ٢٠٠٨ والذي لم يأت بنتجة تذكر بالمطلق برأي الاقتصاديين والخبراء .

قد يكون التصويت لـ Brexit تجاهلا فاضحا لرأي هؤلاء. وقد تكون الاثار الضارة المترتبة على هذاالتصويت فورية ودائمة. والسؤال الذي يفرض نفسه ماذا سوف يحدث عندما تغادر بريطانيا الاتحاد الاوروبي؟ كذلك ما هي اهم التغيرات المتوقعة في الأشهر المقبلة؟

عملية الخروج من الاتحاد سوف تأخذ سنوات عديدة ويعتبر التصويت غير ملزم قانونيا وهناك طرق عدة لاعاقته أو الانقلاب عليه. كذلك، في مقدور الـ Brexit أن يغيّر طبيعة المملكة المتحدة والمؤلفة من البلدان الاربعة: انكلترا، ويلز، اسكتلندا وايرلندا الشمالية. فتح هذا التصويت الباب واسعا امام امكانية خروج بعضها من المملكة سيما اسكتلندا والتي صوتت يوم الخميس بفارق ٦٢ بالمئة للبقاء مقابل ٣٨ بالمائة للخروج وهذا ما يقوي الانفصاليين الاسكتلنديين الذين سيحاولون اجراء استفتاء آخر حول الاستقلال الاسكتلندي واذا نجح التصويت فإن اسكتلندا سوف تطلب الانضمام الى عضوية الاتحاد الاوروبي. والحالة نفسها في ايرلندا المستقلة في الجنوب مما يعني ان التوترات بين هاتين الدولتين قد تعود.

لذلك، وباستثناء الامور الاقتصادية والضرائب والهجرة، هنالك امور جيوسياسية خطرة قد تترتب على الـ Brexit وتجعل من المملكة المتحدة في وضعية حرجة مع محاولة هذه الدول مغادرة المملكة.

وتعكس التقلبات مخاوف السوق من عواقب اكثر حدة في الأشهر المقبلة، ويمكن ان تخلق مشاكل خطرة بالنسبة للشركات التي يوجد مقرها في المملكة المتحدة. ويقول النقاد ان الآثار الاقتصادية يمكن ان تكون كبيرة بالنسبة للاقتصاد البريطاني، وحسب نوعية المفاوضات المتعلقة بالوصول الى السوق الاوروبية في نهاية المطاف.

قد يكون التركيز الاكبر على القطاع المصرفي البريطاني وقطاع الخدمات المالية سيما وان المصارف الكبرى تتخذ من لندن مقرا رئيسيا لها. وسيكون عليها ان تقرّر أين ستذهب واين ستستثمر سيما وان لندن باتت خارج السوق الاوروبية الكبيرة مما يعني ان الموقف سوف يتغير حتما. وللعلم يوظف قطاع المالية اكثر من ٢ مليون شخص في جميع انحاء المملكة ومعظمهم في لندن.

وحسب ادعاء البعض ان الضرر الذي لحق بالاقتصاد البريطاني يساوي وبالفعل عدة مرات قيمة مساهمة بريطانيا في ميزانية الاتحاد، اما في الواقع فليس لديهم اي بيانات توضح ذلك ولا توجد ارقام موثوق فيها لغاية الآن. لكن م هو معروف ان وكالات تقدير جدارة الائتمان خفضت جدارة الائتمان البريطانية وسوف يكون الاقتراض اكثر كلفة.

ان زيادة نقطة مئوية واحدة على كلفة الاقتراض سيكلف الخزانة ٨ مليارات استرليني اضافية في العام ٢٠١٩-٢٠٢٠ مما يعني ان المالية العامة للمملكة سوف تكون في حالة اسوأ مع فوائد ديون مرتفعة.

كذلك سوق الاسهم الذي شهد انخفاضا كبيرًا في المملكة المتحدة وفي جميع انحاء العالم واستعاد بعضا من عافيته هذا الاسبوع، كذلك الجنيه الاسترليني والذي انخفض بصورة كبيرة مقابل الدولار الاميركي، وقد لا يستعيد عافيته قريبا سيما وان عدم الاستقرار وفقدان الصورة الواضحة للاقتصاد هما عاملان مهمان في قوة العملة واستقرارها.

اذا كان التصويت ليس لمصلحة البريطانيين انما هو ايضًا ليس لمصلحة اوروبا اذ انه من الممكن ان يمهد إلى استفتاءات في اماكن اخرى وسوف يتردّد صداه في جميع انحاء القارة.

يبقى الخروج من الاتحاد معقدا لدرجة كبيرة، وقد يتطلب اكثر من سنتين لانهائه وله تأثير مباشر على اوروبا وغيرها، كذلك على الشركات المتعددة الجنسيات والتي تعتبر اوروبا أحد اسواقها الرئيسية.

اضف الى ذلك التفاوض على علاقات تجارية جديدة مع الاتحاد الاوروبي وتأكيد الوصول الى السوق الواحدة ومستقبل المؤسسات المالية الموجودة في بريطانيا والتي ستفتقد حقوقها في العمل بحرية في جميع انحاء الاتحاد الاوروبي .

كل هذه امور من الصعب التكهن بحيثياتها ونتائجها وتبقى رهينة مصالح مشتركة لاوروبا من جهة والمملكة المتحدة من جهة اخرى. وقد يكون الـ Brexit إلهاما للشعوب الاوروبية الاخرى التي طالما طالبت باصلاح الاتحاد الاوروبي.

بروفسور جريتا صعب.