لعنة الطلاق الاوروبي البريطاني تهدد ايطاليا أولا

قد يكون تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الاوروبي أثار تنبؤات كثيرة حول اقتصاد المملكة المتحدة. لكن، وعلى ما يبدو، تنعكس مفاعيله على أوروبا بشكل كبير وقد تكون آثاره أكثر خطورة.
تظهر في الأفق بوادر أزمة ديون معدومة في البنوك الايطالية. والسؤال هل يمكن لهذه المشاكل التي تواجه البنوك الايطالية اليوم أن تكون نتيجة ترجيح ايطاليا لتكون البلد الثاني الذي سوف يسعى للخروج من الاتحاد الاوروبي، سيما وان حكومة رنزي تحاول اعادة رسملة المصارف وهذا ما يتعارض والنظام المصرفي الاوروبي الذي لا يسمح بإعادة الرسملة؟

ذكرت صحيفة «فاينانشل تايمز» البريطانية الاحد الماضي «ان ايطاليا قد تتحدّى الاتحاد الاوروبي وتضخ مليارات الدولارات في النظام المصرفي المضطرب.

يأتي ذلك رغم تحذيرات بروكسل وبرلين من مغبة عدم احترام القواعد التي تجعل من الدائنين بدل دافعي الضرائب ممولين لهكذا عملية انقاذ. ويبدو ان مؤشر المصارف الايطالية تراجع لغاية اليوم بنسبة ٥٦ في المئة وتأذى كثيرا سيما بعد تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الاوروبي.

يجري البحث الآن حول سبل الخروج من ازمة مصرفية في ظل ركود اوروبي كبير وفوائد سلبية مما يعني ان الاتحاد وليس فقط ايطاليا يواجهان هذه الأزمة، ومما يعني أنه دليل ازمة مصرفية كبيرة في اوروبا ولن يساعد في ذلك تباطؤ التجارة مع بريطانيا انما سوف يؤدي الى زيادة القروض المعدومة.

في المطلق اذا كانت المصارف لا تستطيع تقديم القروض كونها تمرّ في أزمة مالية فإن ذلك لن يساعد الأشخاص على شراء المنازل والشركات على الدخول في استثمارات جديدة، وهذان الأمران عصب الاقتصاد وحياته. وهذا يعني حكما تراجعا في النمو وانخفاضا في الناتج.
لذلك لا بد من مواجهة الواقع والقول ان ايطاليا تواجه أزمة مصرفية كبيرة في ظل تدهور الوضع الاقتصادي والقروض المصرفية المعدومة.

وقد أعلن الرئيس السابق للخزانة الايطالية لورنز كودونيو انه لا بد وان يوافق الاتحاد الاوروبي على مساعدة ايطاليا في ضخ الاموال العامة في المصارف الايطالية. أضاف: يجب ضخ الاموال العامة في بنك واحد على الأقل او ربما اكثر من اجل ايقاف العدوى لأنها أصبحت والحالة هذه مخاطرة كبيرة . كذلك قال ان من الصعب معرفة كيف يمكن للحالة ان تتحسّن دون اي تدخل حكومي، لكن يجب ان يتم ذلك من خلال القواعد الاوروبية وان يتحقق ذلك في غضون الايام القليلة المقبلة.

وقد أثار تداعي النظام المصرفي الايطالي نتيجة للقروض المعدومة الاتحاد الاوروبي بأكمله ولا يمكن القاء اللوم على الـ Brexit انما قد يكون الـ Brexit أعطى المشكلة منعطفا آخر اضافة الى التباطؤ في جميع انحاء الاتحاد الاوروبي والذي ازداد سوءا مع الـ Brexit، مما أجبر البنك المركزي الاوروبي على متابعة سياسته ومواصلة السير في اسعار فوائد سلبية.

وفي حين ان جميع المصارف الاوروبية تعاني من فتور الاقتصاد واسعار فوائد سلبية مما يترجم بارباح ضئيلة، فإن أزمة المصارف الايطالية مزدوجة سيما وان ١٧ بالمئة من القروض في المصارف الايطالية هي قروض معدومة وهذا العدد هو اكبر بعشر مرات من البنوك الاميركية والتي وصلت ذروة نسبة القروض المعدومة فيها في خضم الأزمة المالية العالمية الى ٥ بالمائة، مما يظهر مدى سوء وضعية المصارف الايطالية ومشاكل القطاع المصرفي.

كذلك تشكل القروض المعدومة نسبة كبيرة من الناتج المحلي. كما إن نسبة القروض المعدومة مقارنة بمجموع احتياطات رأس المال تُظهر ان البنوك الايطالية الرئيسية هي الاسوأ في اوروبا، وهذه ليست سابقة في تاريخ المصارف الايطالية انما يبقى Monte dei Paschi ثالث اكبر مصرف مقرض المشكلة الرئيسية. وقد طلب المركزي الاوروبي من ايطاليا خفض الديون المعدومة لهذا المصرف بنسبة ٤٠ بالمائة خلال ثلاث سنوات.

ويعتبر Monte dei Paschi الحلقة الأضعف بين المقرضين الكبار في منطقة اليورو ورابع اكبر بنك في القطاع الخاص. وحاليا، يتوجب عليه جمع المال بسرعة لتلبية هدف المركزي الاوروبي، ولا يمكن والحالة هذه الا ان تتدخل الحكومة الايطالية، ويبدو هذا هو صلب المفاوضات بين روما وبروكسل، وهي ابعد ما تكون عن السلاسة ولها عواقب منهجية لايطاليا واوروبا معا.

حاليا، تجري ايطاليا محادثات مع اللجنة الاوروبية في محاولة لاستنباط الحلول علما ان قرار المركزي الاوروبي نهائي في شأن الأهداف المقررة قبل نهاية تموز الحالي.

وعلى Monte dei paschi تقديم خطة جديدة لمواجهة القروض المعدومة في حلول تشرين الاول من العام الحالي والالتزام الحرفي بقواعد الاتحاد الاوروبي. وقد يكون السيناريو الافضل على غرار انقاذ المصارف اليونانية العام الماضي مقابل السماح للدولة اليونانية شراء حصص في البنوك مع اعادة هيكلية تجبر المقرضين على بيع الاصول وخفض الوظائف.

وبموجب هذه الخطة، سوف تسمح الحكومة لهم بتقديم اموال المصارف الفاشلة مقابل الاسهم. هذا السيناريو قد يكون الاصح سيما اذا ما كان الهدف عدم معارضة بروكسل وبرلين ومحاولة إنقاذ المصارف الايطالية، خصوصا والاوروبية عموما، انما يعني ايضا مأزق داخلي كبير واندلاع العنف سيما وان المشاعر المناهضة للاتحاد الاوروبي اخذت في الازدياد في ايطاليا ولعلّ ابرز دليل هو ارتفاع اصوات المشككين، وبروز Five stars الحزب السياسي الاكثر شعبية حاليا في ايطاليا، وبروز أصوات تطالب باجراء استفتاء للانسحاب من الاتحاد الاوروبي. وبالفعل بدأ الحديث عن Italeave.

وللعلم، ترزح المصارف في ايطاليا تحت حوالي ٣٦٠ مليار يورو من القروض المعدومة او الديون غير المسددة وفقا لما اعلنه البنك المركزي الايطالي وهي تمثل ١٨،١ بالمائة من اجمالي القروض للمستهلكين.

وفي الوقت نفسه، زادت مخاوف هوامش الفوائد المركبة مع انخفاض اسعار الفوائد، وهذه التحركات جاءت اثر بدء المركزي الاوروبي بشراء الديون السيادية في منطقة اليورو في محاولة منه لتعزيز النمو الاقتصادي وزيادة نسب التضخم.

لذلك تداعي النظام المصرفي الايطالي قد يؤدي الى زعزعة الاتحاد الاوروبي بكامله، وقد تجر المصارف الايطالية المصارف الاوروبية الى ما سمي «لحظة ليمان» (Lehman moment) مع وجود الكثير من المخاطر المشتركة.

وقد يكون انتحارا سياسيا لرنزي وحكومته ويؤدي الى استفتاء على غرار ما جرى في انكلترا يطيحه وحكومته، ويطيح ايضا النظام المالي والمصرفي الاوروبي.

* بروفسور غريتا صعب.