قراءة دستورية في البركسيت

لا يخشينَّ القارئ المواطن على عَقْلِه من الصدمة التي صعقَتْه في الإستفتاء التاريخي يوم 23 حزيران 2016، فليس الخلل فيه، بل في اعوجاج منطق كلٍّ من وستمنستر وبروكسيل. المعادلة مغلوطة منذ زمن طويل، ولاعوجاجها المزدوج آثار من المرجَّح أن تدوم طويلاً.

 

هذا الخلل المضاعف قاعدتُه دستورية، وليست سياسية أو اقتصادية. فالدستور في بلاد تحترمُهُ موجودٌ لمنع السياسيين والإقتصاديين، كما الأسواق السياسية والإقتصادية، من نشاط يهدّد السفينة بالغرق برمتَّها. وقد سبق أن فشل الدستور البريطاني، كما الدستور الأوروبي، في درء الأزمة اليونانية ودرايتها العام الماضي، والأزمة مستمرّة، كما أن الدستورَين مسؤولان في اعوجاج منطقِ كلٍّ منهما في العاصفة التي تهبُّ على أوروبا في ركاب نتائج استفتاء الاسبوع الماضي.

وبعودة سريعة على الأزمة اليونانية، فهي مستمرّة بسبب غياب بند في الدستورالأوروبي ينظّم خروج دولة عضو من منظومة الأورو. وللتذكير، فقد رفضت فرنسا وهولندا في استفتاء شعبي المصادقة على الدستور الذي وضعه المؤتمر الأوروبي برئاسة فاليري جيسكار ديستان عام 2004. وهذا الرفض الشعبي تمَّ تخطّيه من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ونظيره الهولندي عن طريق تعديلات أقرّتها الحكومتان المعنيتان على المعاهدات الأوروبية القائمة. هذا الإلتفاف جاء في نهاية المطاف بمعاهدة لشبونة، النافذة المفاعيل منذ عام 2009. وبهذه الطرق الملتوية ترسَّخت واستقرَّت مرحلة أوروبية تتميّز بتفاوت المسارات في الدول الأعضاء منذ معاهدة شنغن، مخلِّفةً نقصاً وتخمةً في قلب الدستور الأوروبي انفجرا الأسبوع الماضي في لندن.
هو النّقص هذا ما يفسّر الأزمة اليونانية. فالمعايير التي تسمح لدولة أوروبية أن تنضمّ الى منطقة الاورو دقيقةٌ بشكل كافٍ، لكن صائغي الدستور الأوروبي أخفقوا أيام كنفشتهم التوسعيّة في تنظيم الخروج من الأورو عندما تخلُّ الدول بالمعايير، كما حدث في اليونان بعد دخولها مجموعة الأورو عام 2001.

أما التُّخمة، فقد جاءت بالعكس تماماً في ترتيب حقٍّ في الخروج عن المجموعة الأوروبية كان غائباً في المعاهدات السابقة، وأصبحت المادة 60 في مسودّة الدستور المادة 50 في معاهدة لشبونة الحالية. ولم ينتبه “حكماء” الدستور لما يمثّله خروج دولة مهمَّة بالنسبة للمؤسسات الأوروبية، والمنطق المدمّر اللامتناهي في تفتيتها، كما بات واضحاً للعيان في اسكوتلندا وكاتالونيا، فتجاهلوا الآثار القاتلة للمنطق التقسيمي في يوغوسلافيا السابقة، والإتحاد السوفياتي السابق، والسودان السابق. “لا للإنفصال”، “لا للتقسيم”، مبدأان باتا أساسيان للنظام العالمي، في أوروبا كما في الشرق الأوسط وسائر المعمورة.
الى أن جاء منطق دستوري سقيم آخر الأسبوع الماضي ليضاعف مآسي العاصفة الأورو-عالمية على رسوبات الكارثة اليونانية. والخلل هذه المرة في “دستور وستمنستر”، مؤلّفٌ كما هو معلوم من قوانين مجزّأة وأعراف دستورية في غياب نصّ أساسي مكتمل، فاجتمع الخللان الأسبوع الماضي في تعثرات النظام الدستوري البريطاني والخطأ التقسيمي العضال بما أدّى الى البركسيت. المادة 50، إضافة الى الإنهيار المحتّم لأوروبا التي تسمح به، موضوعة بلغة تقريبية تسمح “لأي دولة عضو بالإنسحاب من الإتحاد الأوروبي… بحسب قواعدها الدستورية”.

لكن “دستور وسْتمِنستِر” الأعرج في تركيبه التاريخي مقوَّض بألاعيب الإستفتاءات التي أدَّت الى زلزال بهذا الحجم. كان مستحيلاً لرئيسٍ للوزراء رافضٍ للبركسيت أن يبقى في الحكم في حال إخفاق الإستفتاء الذي دعا هو اليه. وهكذا خرج دافيد كامرون من الحكم مع خروج بريطانيا من اوروبا. لكن مَنِ المخوّل الآن تطبيق “القواعد الدستورية” البريطانية التي تنص عليها المادة 50 لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي؟ أقلُّ الأمور ضرورةً إشرافُ حكومة على المسار الإنفصالي تكون مقتنعةً به، لأن وحدها حكومة بريطانية محبِّذة للبركسيت كجزءٍ أساسي من برنامجها وقناعاتها قادرةٌ على رعاية المفاوضات المعقّدة التي تسمح بالخروج من المنظومة الأوروبية. ومثل هذه الحكومة تحتاج في النظام البرلماني الى أغلبية نيابيّة هي أيضاً محبّذة للإنفصال. أما لسان الحالة السياسية الطاغية اليوم، في حساب بسيط أجرته “البي بي سي” قبيل الإستفتاء، فهو يعبّر عن 185 نائباً محافظاً و218 نائباً عمالياً يريدون بقاء بريطانيا في الإتحاد، مقابل 135 نائباً محافظا اًوعشرة نواب من العمال فقط مع البركسيت. أيَّةُ حكومة، وأيّة غالبية قادرة على التفاوض عن حسن نيّة لتطبيق المادة 50 بمثل هذا الوضع؟

قد يلوح في الأفق بصيص أمل. فبعد استقالة كامرون، وفي ظلّ الوضع الهشّ الذي وجد نفسه رئيس المعارضة العمّالية بسبب مواقفه المتأرجحة حيال الإستفتاء في حزب أغلبيته الساحقة موالية للوحدة مع أوروبا، تضاعفت ضرورة الإنتخابات الوطنية للخروج من الأزمة، ما يعرف في اللغة الدستورية البريطانية بالإنتخاب المفاجئ snap election. ولا شكّ في مثل هذه الحالة أن تكون أوروبا في صلب النقاش الإنتخابي متى تمّ تحديد موعدالإقتراع. أما وإذا أدّت الإنتخابات القادمة الى نجاح أغلبية نيابية تريد البقاء في أوروبا، كما هي الحالة الساحقة اليوم، فعندئذٍ يتحول تطبيق المادة 50 الى استحالة مطلقة. في مثل هذا المسار، قد يكون التصويت الشعبي قد نجح
في محو الكارثة الناتجة عن استفتاء مبنيّ على خلل دستوري مضاعف.

شبلي ملاط.