خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، هل هو مؤكد؟

تعليقات المحللين الاقتصاديين والسياسيين، وخصوصاً من رجال الرأي والصحافة في بريطانيا، تؤكد ان قرار الانسحاب الذي حظي بنسبة 52 في المئة من مجموع المشاركين في الاستفتاء لا رجوع عنه.
رئيسة الوزراء الجديدة تيريزا ماي اختارت كبير قادة دعاة الانسحاب ليكون وزير خارجية بريطانيا، وفي الوقت ذاته عهدت الى أحد كبار دعاة الانسحاب في منصب وزير مفاوضات الانسحاب وتوقيته وكيفية اجرائه.
يفترض مراقبون ان القرار بانتقاء الوزراء الذين يفترض ان يناقشوا شروط الانسحاب من المتحمسين للانسحاب قبل انجاز الاستفتاء دليل قاطع على نية رئيسة الوزراء التقيد بمدلولات الاستفتاء، لكنها ليست مستعجلة فهي ترى ان جوجلة الافكار والافتراضات سوف تحتاج الى بقية اشهر هذه السنة ومن ثم يحتاج التزام المادة 50 المتعلقة بشروط تحقيق انسحاب أي عضو من الوحدة الاوروبية على الاقل الى سنتين.
توقعات التزام نتائج الاستفتاء برزت في تراجع الثقة بمستقبل الاقتصاد البريطاني، وكان هذا الاقتصاد ينمو بأسرع معدل في أوروبا، باستثناء ايرلندا، فقد بلغ في بريطانيا 5 في المئة، في حين ان ايرلندا حققت طوال ثلاث سنوات معدلات نمو توازي 7 في المئة وكلا البلدين يتمتع بمعدل منخفض للبطالة، ولكن برزت مخاوف مستقبلية. فأسعار العقارات في المناطق المرموقة من لندن انخفضت بما بين 10 و20 في المئة، وتوقع مواجهة بريطانيا فترة انكماش تمتد سنتين وانخفاض سعر صرف الجنيه ازاء الدولار والأورو لا يستقطب مقالات معارضة تقويمية.
ونظرة الحكومة الجديدة الاحترازية تجلت في ابلاغ الفرنسيين والصينيين ان مشروع تنفيذ محطة هنكلي بوينت Hinkley Point لانتاج الكهرباء من مفاعلات نووية احيل على البحث من جديد. والحكومة السابقة كانت قد وافقت على مشاركة شركة كهرباء فرنسا بنسبة 70 في المئة في هذا المشروع، والصين بنسبة 30 في المئة، وتكاليف المشروع مقدرة بـ18 مليار جنيه وانجازه يحتاج الى ثماني سنوات، ويوفر بالنتيجة الكهرباء لسبعة في المئة من البريطانيين. وكان هذا أول مشروع لإنتاج الطاقة النووية يقر في بريطانيا منذ عقود.
التأخير المطلوب من الحكومة البريطانية أثار ردود فعل سلبية من شركة كهرباء فرنسا والحكومة الصينية، فقرار مشاركة كل من الطرفين في مشروع كهذا وحسب التكاليف المقدرة اقتضى موافقة السلطات التشريعية على الالتزام.
خطوات الاحتراز البريطانية باتت واضحة سواء بالنسبة الى استبعاد وقت المفاوضات الى المدى الاقصى- سنتين ونصف سنة – او الموافقة السريعة على مشروع ضخم يفترض ان اعتماده يخفض نسبة التلوث. لكن ثمة آراء في ان اعتماد معامل تعتمد على الغاز يمكن تحقيقها، بطاقة الانتاج نفسها، وبتكاليف لا تتجاوز 12 – 14 مليار جنيه، واسعار الغاز تبدو مشجعة على رغم ان انتاج بريطانيا من النفط ومن الغاز قد قارب على الانطفاء بعد 8 سنوات.
ونعدد اسباباً للتخمين ان موقف الحكومة البريطانية قد يتعدل، ومن شأن انطباع كهذا اذا توسع ان يحد من موجة الانكماش ويسهم في تحسين سعر صرف الجنيه، وربما من المفيد طرح بعض الافكار التي ستقوى في توجه الاستمرار في عضوية الاتحاد الاوروبي.
– الاستفتاءات غير ملزمة للحكومة ما لم ترفق بقرارات من مجلس العموم، ومعلوم ان غالبية اعضاء مجلس النواب البريطاني تؤيد استمرار بريطانيا عضواً في الاتحاد.
الدستور في بريطانيا يتشكل من مجموعة القرارات النهائية الصادرة عن المحاكم، فإذا توجه عدد من المواطنين بطلبات لإحالة نتيجة الاستفتاء على المحاكم للتقويم القانوني، قد تتوقف عملية الانسحاب كليًا. والمحكمة العليا ستنظر في اعتراضين مقدمين اليها يطلب اصحابهما نقض قرار الانسحاب والتقيد بالاستفتاء.
– وزير خارجية بريطانيا الجديد الذي كان يقود حملة الانسحاب من الاتحاد الاوروبي، عدل موقفه غداة نتيجة الاستفتاء، واخذ يؤكد ضرورة ومنافع شبك مصالح بريطانيا مع دول السوق.
وهو اشار الى مثال نروج التي هي عضو في ما يسمى “European Economic Area” أي الفضاء الاقتصادي الاوروبي، وهذه العضوية مشبوكة بالاتحاد الاوروبي وتفرض على الاعضاء المشاركة في موازنة السوق. وبالنسبة الى قضية المهاجرين، تشرع دول الفضاء الاوروبي ابواب بلدانها لمواطني الدول الاعضاء في الفضاء والاتحاد الاوروبي، وتالياً لا تختلف هذه العلاقة عن العلاقة العضوية الا بالنسبة الى فرض قيود على الهجرة بحيث تكون بين الدول الاعضاء، وليست مشرعة الابواب.
– بريطانيا كانت عضوًا رئيسيًا في الاتحاد الاوروبي وان هي تميزت عن سائر الاعضاء بأمرين مهمين. من جهة أولى لم تعتمد بريطانيا الاورو كعملة، ومن جهة ثانية لم تتبنّ صيغة ميزات فيزا شنغن.
الامر الاساسي الذي دفع المواطنين البريطانيين الى التصويت بأكثرية للانفصال الخوف من موجات التهجير، وخصوصاً بعد حماسة ميركل للموضوع. ولو كان هذا الموضوع لم يشكل لب حجج رعاة الانفصال لكانت نتيجة الاستفتاء البقاء وبنسبة تفوق الـ55 في المئة.
يبقى ان هنالك أمراً محيراً بالفعل: هنغاريا، بولونيا، والنمسا ترفض التزام تشريع الابواب للمهجرين، وفي الوقت ذاته تستمر في عضوية الاتحاد الاوروبي دون مناقشة.
السؤال الذي يطرح، لماذا يدعو موقف بريطانيا الى اسقاط حقها في الاستمرار في العضوية؟
الامر الواضح هو ان سياسات الهجرة غير واضحة بين الدول الاعضاء، ويجب تطوير هذه السياسات، بحيث لا يسمح بهجرة تفوق مثلاً نسبة 10 في المئة من سكان أي بلد اوروبي عضو في الاتحاد، الى البلدان الاعضاء الاخرى. كما أن التزام قبول المهجرين يمكن ان يفرض نسباً معروفة سلفاً لأعداد القادمين، والبلدان التي يفدون منها. ويبدو ان نظاماً كهذا معقد، لكنه في الوقت ذاته يؤدي الى التزام الجميع بالمعايير نفسها، وعندئذٍ التصويت يصبح البريطاني عرضة للتفكيك ان بواسطة المحاكم أو الحكومة. والتعديل المطلوب سيكون من مسؤولية اعضاء الاتحاد الاوروبي الامر الذي يفسح لمفاوضات طويلة بالتأكيد مفيدة للجميع.

مروان اسكندر.