المعايير المعتمدة في تصنيف البنوك المركزية في العالم

قامت مجلة غلوبال فايننس بإصدار لائحة أفضل حكام المصارف المركزية في ما يُقارب الـ ٧٥ دولة. وبحسب التصنيف أتى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في طليعة اللائحة. ويبقى السؤال عن المعايير التي تمّ إعتمادها في هذا التصنيف.

منذ عام ١٩٩٤، تقوم مجلّة غلوبال فايننس بتصنيف حكام المصارف المركزية في ٧٥ دولة. وتكمن أهمية هذا التصنيف في كونه أداة لقياس أداء حكام المصارف المركزية ولكن أيضا السياسات المُتبعة وإستئصال أفضل المُمارسات (Best Practices). كما ويسمح هذا التصنيف في تصنيف أداء المصرف وبالتالي تسهيل معرفة مدى تطبيقه للقوانين المرعية الإجراء في الإقتصادات التي تتبع السوق الحرّة.

ينصّ التصنيف على إعطاء علامة من A (وهي الأعلى) إلى F (وهي الأدنى – فشل) لكل حاكم على أدائه في القطاعات التالية: السيطرة على التضخم، أهداف النمو الاقتصادي، الثبات النقدّي، إدارة سعر الفائدة، إستقلالية المصرف، الإستقلالية الاقتصادية…

هذه المعايير أساسية في الإقتصاد وفي القطاع المالي من ناحية أن دور المصرف المركزي كما هو معروف دور أساسي ومحوري في تحديد السياسة النقدية وبالتالي السيطرة على التضخم، كما وفي الحياة الإقتصادية من خلال اللعب على أسعار الفائدة مما يعني دعم النمو الإقتصادي.
جاء تصنيف هذا العام ليُثبّت حاكم مصرف لبنان في لائحة الحكام العشرة الأوائل في العالم مع علامة A على مُجمل أدائهم.

على صعيد التضخم، يظهر من أرقام صندوق النقد الدولي، منذ إستلام رياض سلامة لمنصبه في آب ١٩٩٣، أن التضخم في لبنان إنخفض بشكل ملحوظ من رقمين إلى ما دون الرقمين مع إستثناء وحيد في العام ٢٠٠٨ حيث فاق التضخم الـ ١٠٪ والسبب يعود إلى فورة العقارات في ذلك الوقت التي لعبت دورا أساسيا في خلق التضخم.

لذا يظهر إلى العلن أن السياسة المُتّبعة إستطاعت السيطرة على التضخم بعد أن بلغ نسبا مُخيفة في ثمانينات القرن الماضي وأوائل تسعيناته (٤٨٧٪ في ١٩٨٧، ١٥٥٪ في ١٩٨٨، ٧٢٪ في ١٩٨٩، ٦٩٪ في ١٩٩٠، ٥٠٪ في العام ١٩٩١).

هذا التضخّم له تأثيره المُباشر على الثبات النقدّي الذي وخلال الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية صمد في وجه الأزمات السياسية والأمنية التي عصفت في لبنان من عناقيد الغضب إلى الشغور الرئاسي اليوم مرورا بإغتيال الرئيس رفيق الحريري وعدوان تمّوز ٢٠٠٦.
نعم إستطاعت الليرة المُحافظة على قيمتها كل هذه الفترة بفضل السياسة النقدية المُتبعة.

هذا الثبات النقدي سمح للبناني بالحصول على الثقة بعملته الوطنية وبإقتصاده، فأخذت الإستثمارات طريقها وأصبح الإيمان بلبنان وإقتصاده يكبر مع الوقت وتخطى الحدود مع قدوم الإستثمارات الخليجية والتي دفعت بالإقتصاد اللبناني إلى مستويات نمو عالية.

لكن هذا الأمر ليس الوحيد الذي تمّ الحكم فيه على حاكم مصرف لبنان، فرزم الإستثمارات التي يُقدمها كل عام لدعم القطاعات الواعدة مثل قطاع التكنولوجيا والقطاع العقاري، سمحت في السنين الأخيرة للإقتصاد بالإحتفاظ بوتيرة مُعينة من النمو.

إستطاع حاكم مصرف لبنان من خلال «هندساته المالية» الحفاظ على سعر فائدة مقبول نسبة إلى مستوى المخاطر السيادية. وبالتالي ومع تدهور المالية العامّة منذ ٥ سنوات وحتى يومنا هذا، نرى أن أسعار الفائدة على سندات الخزينة حافظت على مستواها دون أي إرتفاع.

هذا الأمر ما كان ليتحقق لولا الهندسات المالية التي قام بها وآخرها كانت إستبداله لسندات الخزينة بسندات خزينة للمصرف حيث إستطاع من خلال هذه العملية زيادة إحتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية في وقت تشهد المنطقة بأكملها تراجعا للتمويل بالعملات الأجنبية.

أما في ما يخصّ إستقلالية سياسة مصرف لبنان، فإن مصرف لبنان صُنّف من قبل العديد من الأبحاث، المصرف المركزي الأول من ناحية الإستقلالية كما تُثبته مثلا دراسة Sturn and de Haan – 2010 حيث صّنف مصرف لبنان في المرتبة الأولى بين دول المينا (MENA) مع ٠،٦ لمؤشر Cukierma.

وبالنظر إلى الواقع اللبناني من الداخل، نرى أن مصرف لبنان وحاكمه لا يتأثران بالقرارات السياسية التي تتخذها الحكومة. بل على العكس، يلعب حاكم مصرف لبنان دور الإطفائي في كل المشاكل التي تواجه المالية العامة دون أن يضع مصرف لبنان في خطر، وآخر دليل على ذلك الإستحقاقات التي دفعها العام الماضي نيابة عن الحكومة في الوقت الذي كان فيه مجلس النواب مُعطّلا.

وبحسب المعلومات، فإنه ومع التعطيل الحاصل حاليا في المجلس النيابي، فإن الحكومة لن تستطيع الإستدانة لدفع مُستحقاتها في الأشهر القادمة، لذا سيعمد مصرف لبنان إلى تكرار ما فعله العام الماضي.

وبإعتقادنا، إن مثل هذه العمليات التي تُنقذ الدولة من الإفلاس المالي، كان لها تأثير كبير في دفع تصنيف حاكم مصرف لبنان إلى المراتب الأولى. بالطبع كل هذا دون تحويل مصرف لبنان إلى المُمول الأول للدولة اللبنانية.

على صعيد الإستقلالية الإقتصادية، نرى أن حرية مصرف لبنان وإستقلاليته في تثبيت سعر الفائدة، عدم كونه المُمول الأول للدولة اللبنانية، وإقراض الدولة على سعر فائدة السوق، كما ودعمه لبعض القطاعات، تجعل منه مصرفا مركزيا مُستقلا إقتصاديا ولا يخضع للحكومة ولا لقراراتها الاقتصادية والمالية.

أضف إلى كل هذا، وعلى الرغم من الوضع الإقتصادي والمالي المُتردّي في لبنان، ما زالت الودائع تتهافت إلى لبنان ولو بوتيرة أقلّ من السابق. كل هذا في ظل إلتزام كلّي من قبل مصرف لبنان والمصارف التجارية بتطبيق القوانين الدولية. هذا الأمر أدّى إلى زيادة الثقة في هذا القطاع ورفعه إلى مستويات عالية أصبحت تفوق نظيراتها الأميركية والأوروبية.

إن دور مصرف لبنان الذي كان يقتصر على الحفاظ على سعر صرف الليرة نجح في مهمته على أكمل وجه وذهب أبعد من ذلك مع ضمان ثبات نقدي لا يتأثر بالعوامل السياسية والأمنية وسعر فائدة شبه مُستقر.

والمُلفت هو التغيير الأخير في سياسته من ناحية بدء دعم القطاعات الإقتصادية والذي هو عادة من عمل الحكومة ضمن سياستها الإقتصادية. كل هذا بفضل حاكم مصرف لبنان وفريق عمله الذي إستحقّ بجدارة لقبه كأفضل حاكم مصرف مركزي في العالم.

بروفسور جاسم عجاقة.